علي الطاهر… حين يصبح المرتفع اختباراً لحرب أكبر

■ بيروت _ أحمد موسى

لم يعد مرتفع علي الطاهر مجرد موقع جغرافي في المعادلة الجنوبية، ولا مجرد نقطة عسكرية تتنازعها خرائط الانتشار والردع. فالمعطيات السياسية والميدانية المحيطة به جعلته في صلب مشهد إقليمي شديد التعقيد، تتقاطع فيه حسابات إسرائيل الأمنية، وحسابات بنيامين نتنياهو السياسية، والموقف الأميركي، ومسار المواجهة مع إيران، وصولاً إلى اليمن وسوريا والبحر الأحمر.

ومن هنا، فإن أي معركة حول علي الطاهر لا يمكن عزلها عن السؤال الأوسع: هل نحن أمام محاولة إسرائيلية لتحسين شروطها الأمنية قبل التسويات المقبلة، أم أمام مقدمة لجولة حرب جديدة قد تتجاوز الجنوب إلى لبنان والمنطقة؟.

المؤشرات المتوافرة لا تمنح كثيراً من أسباب الاطمئنان. فالتصعيد الإسرائيلي المتدرج في الجنوب، والغارات على مرتفع علي الطاهر ومحيط الدبشة وأطراف النبطية الفوقا ودوحة كفررمان، بالتزامن مع القصف والتفجير وإحراق المنازل في عدد من البلدات الجنوبية، كلها تؤكد أن الميدان لا ينتظر اكتمال المسار الدبلوماسي.

وفي إسرائيل، لا يبدو القرار العسكري منفصلاً عن الحسابات السياسية الداخلية. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يدرك أن أي حرب واسعة قد تمنحه هامشاً سياسياً في لحظة، لكنها قد تتحول أيضاً إلى عبء إذا طال أمدها وارتفعت كلفتها البشرية والاقتصادية والأمنية. ولذلك تبدو معادلة الحرب واللاحرب مرتبطة، إلى حد كبير، بالتوقيت السياسي بقدر ارتباطها بالاعتبارات العسكرية.

أما واشنطن، فتبدو أمام معادلة أكثر تعقيداً: منع إسرائيل من الانزلاق إلى حرب شاملة، من دون إلغاء قدرتها على ممارسة الضغط العسكري. وهذا الفارق بالغ الأهمية، لأن السماح بعملية محدودة لا يعني بالضرورة إعطاء الضوء الأخضر لحرب مفتوحة، كما أن الضغط الأميركي للتهدئة لا يعني تخلي واشنطن عن حليفتها الإسرائيلية.

وفي المقابل، تنظر إيران إلى المشهد من زاوية مختلفة. فالجبهة اللبنانية بالنسبة إليها ليست ملفاً منفصلاً عن بقية ساحات النفوذ والردع، من سوريا إلى اليمن والبحر الأحمر وصولاً إلى مضيق هرمز. ومن هنا، فإن أي تصعيد كبير في لبنان قد يجد صداه في ساحات أخرى، بما يحول المواجهة من نزاع على الحدود إلى أزمة إقليمية متعددة الجبهات.

ولعل أخطر ما في المشهد أن إسرائيل لا تتحرك في لبنان وحده. فالضربات التي تستهدف مواقع في سوريا، وخصوصاً في مناطق ترتبط بالحضور التركي، تشير إلى أن تل أبيب تعمل على تثبيت قواعد أمنية أوسع من الجبهة اللبنانية. وهي، علناً، تربط أي وجود عسكري أو أمني تعتبره تهديداً لأمنها القومي بحقها في التحرك لمنعه.

وإذا أضيف إلى ذلك تحرك الحوثيين في اليمن، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحاً: المنطقة تقف أمام شبكة جبهات مترابطة، يمكن لأي انفجار في إحداها أن يدفع الأخرى إلى التصعيد.

في لبنان، يحاول رئيس الجمهورية جوزاف عون منع الوصول إلى هذه النقطة. وتحركه في الفاتيكان، ولقاءاته مع البابا لاوون الرابع عشر ومسؤولي الكرسي الرسولي، يأتيان ضمن مسعى لتوسيع المظلة الدولية الداعمة للبنان، وتثبيت المطالبة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وتنفيذ اتفاق الإطار وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة.

الأهم في الموقف اللبناني أن عون يربط بين وقف التصعيد وبين استعادة الدولة لدورها الكامل، وحصر قرار الحرب والسلم بها. وهي معادلة تبدو ضرورية لأي تسوية مستدامة، لكنها تصطدم بواقع ميداني وسياسي لا يزال شديد التعقيد.

وفي هذا السياق، يكتسب ملف “اليونيفيل” أهمية استثنائية. فاقتراب نهاية مهمتها يفتح سؤالاً لا يقل خطورة عن سؤال الحرب نفسها: من يملأ الفراغ إذا انتهت المهمة الدولية؟ وهل يستطيع الجيش اللبناني، في ظل الظروف الراهنة، أن يتولى وحده كامل الأعباء الأمنية في الجنوب؟.

التحرك الفرنسي ـ الإيطالي للبحث في صيغة مستقبلية، والاتصالات اللبنانية مع واشنطن والجهات الدولية، يؤكد أن المسألة لم تعد تقنية مرتبطة بمصير قوة دولية، بل أصبحت جزءاً من ترتيبات ما بعد المرحلة الحالية.

لكن في المقابل، يصعب بناء تسوية مستقرة في ظل استمرار النار. فحين تُقصف البلدات الجنوبية وتُفجّر المنازل والمنشآت وتُستهدف المرتفعات، تصبح الدبلوماسية في سباق مع الميدان. وكلما اتسعت الهوة بين ما يُبحث في الغرف السياسية وما يحدث على الأرض، تضاءلت فرص احتواء التصعيد.

ويضاف إلى ذلك الانقسام اللبناني الداخلي. فـ”حزب الله” يرفع سقف اعتراضه على المسار الرسمي، معتبراً أن اتفاق الإطار لم يحقق وقف الاعتداءات ولا الانسحاب الإسرائيلي، بينما تتمسك الدولة بالمسار الدبلوماسي باعتباره الطريق الأقل كلفة للخروج من الأزمة.

وهنا تكمن المفارقة اللبنانية الكبرى: الدولة تريد تثبيت الهدوء عبر الدبلوماسية، وإسرائيل تريد فرض أمنها بالنار، و”حزب الله” يرفض أن يتحول الاتفاق إلى إطار لتكريس الوقائع الإسرائيلية. وبين هذه المواقف يقف الجنوب، فيما يقترب استحقاق اليونيفيل وتتداخل الملفات اللبنانية مع الصراع الأميركي ـ الإيراني.

لذلك، فإن السؤال عن علي الطاهر ليس سؤالاً عسكرياً فقط.

إذا قررت إسرائيل خوض معركة حسم ميداني هناك، فستكون أمام اختبار لرد “حزب الله”، وللموقف الأميركي، وللقدرة الإيرانية على إبقاء المواجهة تحت سقف محسوب. وإذا جاء الرد واسعاً، فإن احتمالات توسع العمليات ستزداد. أما إذا بقيت القنوات الأميركية ـ الإيرانية مفتوحة، فقد يصبح علي الطاهر ورقة تفاوضية ضمن تسوية أكبر.

من هنا، يبدو المرتفع اليوم أقرب إلى ميزان حرارة إقليمي منه إلى مجرد هدف عسكري. ارتفاع منسوب النار فيه قد يعني أن التسويات تتراجع، وانخفاضه قد يفتح نافذة للتفاوض.

لبنان أمام مرحلة دقيقة لا تحتمل المغامرة ولا الفراغ. والمطلوب ليس فقط منع الحرب المقبلة، بل منع تحول الجنوب إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

فالحرب، إذا اندلعت، قد تبدأ من علي الطاهر، لكنها لن تكون بالضرورة حرب علي الطاهر.

اخبار ذات صلة