لبنان وسوريا في مرمى الحسابات الإسرائيلية.. رسائل إلى دمشق وأنقرة واختبار للدور الأميركي
■ بيروت | أحمد موسى
تتسارع التطورات على الجبهة الشمالية لإسرائيل، في مشهد يتجاوز حدود التصعيد العسكري التقليدي ليفتح الباب أمام إعادة رسم قواعد الاشتباك في لبنان وسوريا معاً. فبعد استهداف منطقة علي الطاهر في الجنوب اللبناني، جاء القصف الإسرائيلي لمطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب، بعد ساعات من معلومات عن زيارة وفد عسكري تركي للموقع للاطلاع على إمكانات إعادة تأهيله وتعزيز دوره.
وبين الحدثين، تبدو إسرائيل وكأنها تتحرك وفق معادلة واحدة: منع نشوء أي قدرة عسكرية جديدة يمكن أن تغيّر ميزان القوى مستقبلاً، سواء في لبنان أو سوريا، مع اختبار حدود الهامش الذي تستطيع واشنطن منحه لها من دون الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة.
أبو الظهور.. ضربة لما قد يكون وليس لما هو قائم
المفارقة في استهداف مطار أبو الظهور أن المطار، وفق المعطيات المتداولة، لم يكن يشكل في وضعه الحالي تهديداً جوياً مباشراً لإسرائيل. فالقدرات الجوية السورية ما زالت محدودة بعد سنوات الحرب، فيما تخضع مؤسسات الجيش لإعادة بناء واسعة.
لكن إسرائيل لا تنظر بالضرورة إلى الموقع باعتباره خطراً قائماً، بل إلى ما يمكن أن يتحول إليه مستقبلاً.
فالضربة استهدفت المدرج ومنشآت داخل المطار، في وقت كانت فيه أعمال تأهيل تجري في الموقع، بالتزامن مع تحركات تركية عسكرية في سوريا.
وهنا تبرز القراءة الاستراتيجية الأهم: إسرائيل لا تريد انتظار اكتمال عملية إعادة بناء القدرات العسكرية السورية حتى تتحرك، بل تسعى إلى التأثير في هذه العملية منذ بدايتها.
دمشق أمام معادلة صعبة
الرسالة الإسرائيلية إلى دمشق تبدو واضحة: إعادة بناء الدولة والجيش لا تعني، من وجهة نظر تل أبيب، ترك المجال مفتوحاً أمام إنشاء بنية عسكرية يمكن أن تتحول لاحقاً إلى تهديد.
وهذا يضع القيادة السورية أمام معادلة بالغة التعقيد.
فدمشق تحتاج إلى إعادة بناء جيش مركزي ومؤسسات أمنية قادرة على حماية الأراضي السورية، لكنها في الوقت نفسه تتحرك ضمن بيئة إقليمية تفرض عليها حسابات دقيقة، في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي والنفوذ التركي المتزايد.
ومن هنا يمكن فهم تمسك دمشق، بحسب القراءة السياسية للمشهد، بالمسار الأمني والتفاوضي، في محاولة لتجنب مواجهة مباشرة في مرحلة لا تزال فيها قدراتها العسكرية قيد إعادة البناء.
الرسالة الثانية.. إلى تركيا
لكن الهدف الإسرائيلي لا يقتصر على دمشق.
توقيت الضربة، بعد الحديث عن زيارة وفد عسكري تركي إلى أبو الظهور، يضع أنقرة أيضاً أمام رسالة مباشرة.
تركيا أصبحت لاعباً رئيسياً في سوريا الجديدة، ولا تخفي رغبتها في المساهمة في إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش السوري. وأي تعاون عسكري تركي ـ سوري واسع يمكن أن يؤدي، مع مرور الوقت، إلى نشوء منظومة عسكرية مختلفة جذرياً عن الواقع السوري الحالي.
وهذا تحديداً ما يثير القلق الإسرائيلي.
فإعادة تأهيل المطارات، وتدريب القوات، وتطوير الدفاعات الجوية، وإنشاء منظومات رادار ومسيّرات، وتحديث القدرات العسكرية، يمكن أن تنقل سوريا من دولة خارجة من حرب إلى دولة تمتلك تدريجياً قدرة عسكرية مركزية.
إسرائيل تريد، على ما يبدو، منع الوصول إلى هذه المرحلة قبل أن تصبح كلفة التعامل معها أكبر.
من لبنان إلى سوريا.. الخيط واحد
استهداف علي الطاهر في الجنوب اللبناني يأتي في سياق مختلف ميدانياً، لكنه يتقاطع استراتيجياً مع ما جرى في أبو الظهور.
في لبنان، تركز إسرائيل على منع حزب الله من إعادة بناء قدراته العسكرية، وتواصل الضغط على المناطق التي تعتبرها جزءاً من بنيته العسكرية.
وفي سوريا، تتحرك لمنع تشكل بنية عسكرية جديدة قد تستفيد من الدعم التركي.
وفي الحالتين، هناك عنوان واحد: إدارة المخاطر قبل تحوّلها إلى تهديد استراتيجي.
وهذا يعني أن إسرائيل لا تتعامل فقط مع ما هو موجود على الأرض، بل مع ما يمكن أن يصبح موجوداً بعد سنة أو خمس سنوات.
هل أعطت واشنطن الضوء الأخضر؟
هنا تصبح الصورة أكثر تعقيداً.
إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة مسبقاً بقرار استهداف أبو الظهور، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن واشنطن أعطت موافقة كاملة على العملية.
فالموقف الأميركي، وفق المعطيات المتداولة، يتجه إلى احتواء التصعيد ومنع تحول الاحتكاك الإسرائيلي ـ التركي إلى مواجهة أوسع.
وهذا يضع العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية أمام معادلة دقيقة: واشنطن لا تريد تقييد إسرائيل إلى درجة تمنعها من مواجهة ما تعتبره تهديداً، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تؤدي العمليات الإسرائيلية إلى فتح جبهة جديدة مع سوريا أو تركيا.
لذلك يمكن وصف الموقف الأميركي بأنه هامش حركة مشروط، وليس تفويضاً مفتوحاً بالحرب.
لبنان.. الاختبار الأكثر حساسية
في الجنوب اللبناني، تبدو المخاطر أكثر مباشرة.
أي توسيع إسرائيلي للعمليات ضد حزب الله يمكن أن يضع الاتفاقات الأمنية القائمة أمام اختبار صعب، خصوصاً إذا ترافقت الضربات مع مطالب إسرائيلية جديدة تتعلق بالسلاح والانتشار العسكري والسيطرة على مناطق جنوبية.
وهنا يصبح الدور الأميركي حاسماً.
فواشنطن تستطيع الضغط على إسرائيل لخفض التصعيد، كما تستطيع في الوقت نفسه الضغط على لبنان لتطبيق التزاماته الأمنية.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المعادلة إلى طرف واحد: ضربات إسرائيلية متواصلة مقابل مطالب لبنانية متزايدة.
عندها يصبح خطر انهيار التفاهمات أكبر، وقد تجد المنطقة نفسها أمام دورة جديدة من التصعيد.
إسرائيل تخشى «سوريا الغد»
قد يكون هذا هو المفتاح الأساسي لفهم ضربة أبو الظهور.
سوريا اليوم ليست القوة العسكرية التي كانت عليها قبل الحرب، ولا تمتلك سلاح جو قادراً على فرض معادلات إقليمية. لكن إسرائيل تنظر إلى المستقبل لا إلى اللحظة الراهنة.
فماذا لو أصبح لدى دمشق جيش مركزي أكثر تماسكاً؟ وماذا لو أعيد تشغيل المطارات العسكرية؟ وماذا لو امتلكت سوريا دفاعات جوية حديثة، وطائرات مسيّرة، ورادارات، وقدرات صاروخية، إلى جانب تعاون عسكري وصناعي واسع مع تركيا؟
عندها لن تكون الحدود الشمالية لإسرائيل كما هي اليوم.
ولهذا قد ترى تل أبيب أن الوقت الراهن هو اللحظة الأقل كلفة لفرض خطوطها الحمراء.
سقوط الروايات الجاهزة
في المقابل، لا تكفي هذه التطورات لإثبات الروايات التي تختزل المشهد في اتهام القيادة السورية بأنها تعمل لمصلحة إسرائيل، أو اعتبار أن الحضور التركي في سوريا يصب تلقائياً في مصلحة تل أبيب.
الوقائع الميدانية تشير، على العكس، إلى وجود مصالح متعارضة.
فتركيا تريد توسيع نفوذها في سوريا ودعم استقرار الدولة الجديدة، بينما تنظر إسرائيل بحذر إلى أي حضور عسكري تركي متقدم قرب مناطق نفوذها.
وبالتالي، فإن استهداف موقع تحركت فيه تركيا عسكرياً يحمل رسالة لا إلى دمشق وحدها، بل إلى أنقرة أيضاً.
هل تتجه المنطقة إلى حرب أوسع؟
السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: هل نحن أمام سلسلة ضربات محدودة، أم أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل المشهد العسكري في المنطقة؟.
المؤشرات لا تسمح بالجزم بحرب شاملة، لكنها تكشف بوضوح أن هامش المناورة أصبح أوسع وأن الخطوط الحمراء تتغير بسرعة.
إسرائيل تضرب عندما ترى خطراً محتملاً، وتركيا ترفض فرض وقائع عسكرية عليها في سوريا، ودمشق تحاول إعادة بناء الدولة وسط بيئة إقليمية شديدة التعقيد، فيما تسعى واشنطن إلى الإمساك بالخيوط ومنع التصعيد من التحول إلى مواجهة يصعب احتواؤها.
ماذا بعد؟
من علي الطاهر إلى أبو الظهور، تبدو المنطقة أمام مرحلة لا تقيس فيها إسرائيل المخاطر بحجمها الحالي فقط، بل بما يمكن أن تصبح عليه مستقبلاً.
في لبنان، تسعى إلى منع حزب الله من استعادة قدراته.
وفي سوريا، تريد منع نشوء منظومة عسكرية جديدة بدعم تركي.
أما الولايات المتحدة، فتقف أمام معادلة شديدة الحساسية: منح إسرائيل القدرة على التحرك ضد ما تعتبره تهديداً، من دون السماح لها بتحويل هذا الهامش إلى حرب إقليمية مفتوحة.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فإذا بقيت الضربات تحت سقف مضبوط، قد يستمر التصعيد في إطار «الرسائل بالنار». أما إذا تجاوزت العمليات الإسرائيلية هذا السقف، أو سقطت إحدى حلقات الردع، فإن ما بدأ بضربة على موقع هنا أو هدف هناك قد يتحول إلى مسار تصعيدي يصعب على واشنطن نفسها السيطرة عليه.
المعركة، في نهاية المطاف، ليست فقط على مطار أبو الظهور أو تلّة علي الطاهر، بل على شكل النظام الأمني الذي سيولد في لبنان وسوريا بعد سنوات الحرب. ومن يملك القدرة على التأثير في هذا الشكل، سيمتلك جزءاً كبيراً من مستقبل المنطقة.
