■ بيروت _ أحمد موسى
مع انقضاء مهلة الستين يوماً التي حددتها مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية، تدخل المنطقة مرحلة جديدة من الغموض السياسي والأمني، في ظل غياب اتفاق نهائي أو إعلان مشترك واضح بشأن تمديد المهلة. وبينما تتضارب المواقف حول مستقبل التفاهم، يتصاعد التوتر في مضيق هرمز وتتراجع حركة الملاحة، بالتوازي مع استمرار التصعيد الإسرائيلي في الجنوب اللبناني وارتفاع منسوب التهديدات تجاه لبنان.
وبذلك، لم يعد انتهاء المهلة مجرد استحقاق تفاوضي، بل بات محطة مفصلية قد تحدد اتجاه المنطقة خلال الأسابيع المقبلة: نحو تسوية جزئية تحفظ ماء وجه الأطراف، أم نحو جولة جديدة من التصعيد تتداخل فيها الساحات والملفات؟.
تفاهم على حافة الاختبار
كانت مذكرة التفاهم التي وقعت في 17 حزيران الماضي قد فتحت نافذة نادرة بين واشنطن وطهران، بعد مرحلة من المواجهة والتوتر. وهدفت المذكرة إلى وضع إطار لوقف المواجهة العسكرية وبدء مفاوضات حول الملفات الأساسية، وفي مقدمها البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الأميركية، وحرية الملاحة.
ونصت المذكرة، وفق البنود التي نُشرت، على التفاوض للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال 60 يوماً، مع إمكانية تمديد المهلة بموافقة الطرفين.
لكن انتهاء المهلة جاء من دون إعلان اتفاق شامل، فيما لم يصدر حتى الآن موقف مشترك يحسم بصورة نهائية مصير التفاهم.
وفي وقت تحدثت فيه مصادر باكستانية عن موافقة مبدئية على تمديد المهلة، بقيت طهران أكثر تشدداً، إذ اشترط مسؤول إيراني كبير عودة الولايات المتحدة إلى تنفيذ التزاماتها ووضع جدول زمني واضح لذلك.
المفارقة هنا أن الوساطات لم تتوقف، لكن الاتفاق لم يولد بعد.
هرمز… ورقة الضغط الأخطر
يتجاوز الخلاف الأميركي–الإيراني حدود الملف النووي والعقوبات، ليصل إلى واحد من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للاقتصاد العالمي: مضيق هرمز.
فالتوتر المتصاعد حول حركة الملاحة يعكس حجم المخاطر المرتبطة بأي انهيار للمسار التفاوضي. وبالنسبة إلى طهران، يمثل المضيق ورقة استراتيجية لا يمكن فصلها عن مفهوم السيادة والأمن القومي، بينما تنظر واشنطن إلى حرية الملاحة باعتبارها جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الإقليمي والدولي.
وهكذا، تتشكل معادلة دقيقة: واشنطن ترفع الضغط الاقتصادي، وطهران تتمسك بشروطها، وكل طرف يحاول تحسين موقعه التفاوضي من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة.
من طهران إلى بيروت… ساحات مترابطة
في الوقت الذي تتعثر فيه المفاوضات الأميركية–الإيرانية، لا يبدو المشهد في لبنان منفصلاً عن هذه التطورات.
فالجنوب اللبناني يعيش على وقع قصف وعمليات تدمير ونسف متواصلة، فيما تكثف إسرائيل نشاطها الجوي والاستطلاعي، وترفع مستوى خطابها السياسي والعسكري تجاه لبنان.
وفي المقابل، تتمسك الدولة اللبنانية بالمسار الدبلوماسي، باعتبار أن التفاوض يبقى الطريق الأقل كلفة لمنع توسع الحرب.
لكن المعادلة تزداد تعقيداً مع ارتفاع سقف المطالب والشروط الإسرائيلية والأميركية المتعلقة بسلاح حزب الله ودور الدولة اللبنانية.
ومن هنا، يبرز السؤال: هل لا تزال هناك مساحة فعلية للمفاوضات، أم أن الميدان بدأ يفرض شروطه على طاولة السياسة؟.
تلة علي الطاهر… حين يتقدم الميدان على الدبلوماسية
في الحسابات العسكرية والسياسية الإسرائيلية، اكتسبت تلة علي الطاهر أهمية متزايدة، ما يجعلها مرشحة لأن تكون أحد الملفات الحاضرة في أي نقاش مقبل حول الوضع جنوباً.
أما لبنان، فيحاول عبر اتصالاته مع الجانب الأميركي وقف عمليات التصعيد والنسف، والحفاظ على إمكانية العودة إلى طاولة التفاوض.
لكن استمرار العمليات العسكرية يهدد بإضعاف أي مسار تفاوضي، لأن كل تغيير ميداني جديد يخلق واقعاً جديداً يصعب تجاوزه سياسياً.
وفي هذا السياق، تصبح المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية مرتبطة بصورة غير مباشرة بمسار أكبر بكثير من حدود الجنوب اللبناني، هو مسار العلاقة الأميركية–الإيرانية.
تهديدات إسرائيلية ترفع سقف المواجهة
الخطاب الإسرائيلي الأخير لا يوحي بأن تل أبيب مستعدة لخفض مستوى الضغط.
فالتصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين، وفي مقدمتهم وزير الدفاع يسرائيل كاتس ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، حملت تهديدات واضحة بتوسيع نطاق المواجهة واستهداف مواقع مرتبطة بحزب الله، وصولاً إلى التلويح باستمرار العمليات داخل العاصمة اللبنانية.
هذه التصريحات، بصرف النظر عن حجم ترجمتها ميدانياً، تؤشر إلى أن إسرائيل تحاول تثبيت معادلة جديدة: لا فصل بين الضغط السياسي والعمليات العسكرية.
وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة، لأن استمرار التصعيد قد يجعل أي تسوية أكثر صعوبة، ويمنح الميدان قدرة أكبر على فرض شروطه على السياسة.
هل انتهى «اتفاق الإطار»؟
السؤال الذي يطرح نفسه في بيروت اليوم هو: ماذا بقي من اتفاق الإطار؟.
الإجابة لا تبدو محسومة.
فالاتفاق لم يسقط رسمياً، لكن فعاليته مرتبطة بقدرة الأطراف على تثبيت تهدئة تسمح باستكمال التفاوض.
أما إذا استمر القصف والنسف وارتفعت التهديدات، فقد يتحول الاتفاق من إطار عملي للتسوية إلى مجرد مرجعية سياسية تنتظر ظروفاً أفضل لإعادة تفعيلها.
وهذا ما يجعل أي موعد مقبل للتفاوض في روما أو غيرها مرتبطاً مباشرة بما ستؤول إليه التطورات الميدانية.
«حصار مقابل حصار»… والوساطات في منتصف الطريق
في المشهد الأميركي–الإيراني، تبدو استراتيجية «الضغط المتبادل» هي العنوان الأبرز.
واشنطن تلوّح بمزيد من العقوبات والضغط الاقتصادي والبحري، فيما تتمسك طهران برفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة ورفض أي قيود على خياراتها الإقليمية.
وبين الطرفين تتحرك دول الوساطة في محاولة لتفكيك الملفات الكبرى إلى تفاهمات جزئية.
وقد يكون هذا السيناريو هو الأكثر واقعية في المرحلة المقبلة: لا اتفاق شامل، ولا عودة مباشرة إلى الحرب، بل سلسلة من التفاهمات المرحلية التي تمنح كل طرف مكاسب محدودة مقابل تنازلات محسوبة.
لبنان ينتظر نتائج الصراع الأكبر
في نهاية المطاف، يجد لبنان نفسه في موقع المتلقي لتداعيات صراع إقليمي لا يملك وحده القدرة على التحكم بمساره.
فإذا نجحت واشنطن وطهران في إعادة تشغيل قنوات التفاوض، فقد تنفتح نافذة أمام لبنان لخفض مستوى التصعيد واستئناف المسار السياسي.
أما إذا انهار التفاهم وانتقلت العلاقة بين الطرفين إلى مرحلة جديدة من المواجهة، فقد تصبح الساحات الإقليمية أكثر عرضة للاشتعال، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية.
وهنا تكمن المفارقة: لبنان يراهن على التفاوض في الوقت الذي تتقدم فيه لغة القوة، ويحاول حماية حدوده فيما تتداخل الملفات الإقليمية فوق أرضه.
مفاوضات بانتظار الحسم
انتهاء مهلة الستين يوماً لا يعني بالضرورة انتهاء التفاهم الأميركي–الإيراني، لكنه بالتأكيد يضعه أمام امتحان حقيقي. فالمرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت المذكرة مجرد هدنة مؤقتة أم بداية لمسار تفاوضي طويل يمكن البناء عليه.
وبين مضيق هرمز والجنوب اللبناني، تبدو الصورة واحدة: مفاوضات متعثرة، شروط متشددة، وساحات تنتظر نتائج الصراع بين الكبار.
أما لبنان، فيقف في قلب هذه المعادلة، محاولاً إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، فيما تفرض الوقائع العسكرية إيقاعها على الأرض.
وفي ظل غياب اتفاق نهائي، تبقى كل الاحتمالات مفتوحة، من تمديد التفاهم وإعادة إطلاق المفاوضات، إلى انهياره والعودة إلى سياسة الضغط والتصعيد.
السؤال الحقيقي لم يعد متى تنتهي المهلة، بل ماذا سيحدث بعد انتهائها؟.
