■ بيروت _ أحمد موسى
لم يكن الغداء التكريمي الذي أقامته السيدة بهية الحريري في منزلها في بيت الوسط في بيروت للمغترب اللبناني فيصل بوعلي وعائلته مجرد مناسبة اجتماعية عابرة، بل يمكن النظر إليه، سياسيًا، من زاوية أوسع تتصل بموقع الاغتراب اللبناني في الحياة الوطنية، وبالدور المتزايد الذي يمكن أن يلعبه المغتربون في رسم التوازنات السياسية والانتخابية في المرحلة المقبلة.
فاللقاء، وإن حمل طابعًا عائليًا وتكريميًا، يأتي في مرحلة لبنانية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الاعتبارات السياسية مع الاستحقاقات الانتخابية، فيما باتت علاقة القوى السياسية والقيادات المحلية بالانتشار اللبناني أكثر حضورًا في الحسابات العامة.
من مناسبة اجتماعية إلى إشارة سياسية
في القراءة السياسية، لا يعني تنظيم غداء تكريمي بالضرورة وجود تفاهم أو تحالف أو قرار انتخابي، ولا يجوز تحميل اللقاء أكثر مما تحتمله معطياته. لكن في المقابل، فإن اختيار الشخصيات والبيئات التي يجري التواصل معها يكتسب أهمية خاصة في السياسة اللبنانية، حيث غالبًا ما تبدأ العلاقات السياسية من قنوات اجتماعية وشخصية قبل أن تتبلور، إذا توافرت ظروفها، في مواقف أو تعاون أو تفاهمات أوسع.
ومن هذه الزاوية، يمكن وضع لقاء بيت الوسط ضمن سياق الاهتمام المتزايد بالاغتراب اللبناني، ليس فقط بوصفه خزانًا بشريًا واقتصاديًا، بل أيضًا كقوة انتخابية وسياسية لا يمكن تجاهل تأثيرها.
الاغتراب في الحساب الانتخابي
الانتخابات اللبنانية لم تعد تُقرأ فقط من خلال صناديق الاقتراع داخل الأراضي اللبنانية. فاللبنانيون المنتشرون في الخارج أصبحوا جزءًا أساسيًا من المشهد الانتخابي، سواء عبر الاقتراع الاغترابي أو عبر التأثير السياسي والاجتماعي والمالي الذي يمارسونه في بيئاتهم الأصلية.
ومن هنا، فإن الانفتاح على المغتربين يمكن أن يتحول إلى ورقة سياسية مهمة، خصوصًا بالنسبة إلى القوى والشخصيات التي تسعى إلى توسيع شبكات التواصل خارج الحدود اللبنانية.
وفي هذا السياق، تكتسب لقاءات من هذا النوع قيمة تتجاوز البروتوكول، لأنها تساهم في بناء شبكة علاقات مع شخصيات وفعاليات اغترابية، وقد تشكل لاحقًا رصيدًا سياسيًا واجتماعيًا، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
بيت الوسط… عنوان له رمزيته
أما المكان، فليس تفصيلًا هامشيًا في القراءة السياسية.
فبيت الوسط ارتبط على مدى سنوات بمحطات سياسية ولقاءات ذات طابع وطني، وبإرث سياسي ترك أثرًا واضحًا في الحياة اللبنانية. وبالتالي، فإن استضافة شخصية مغتربة وعائلتها في هذا المكان تمنح اللقاء بعدًا رمزيًا إضافيًا، وإن كان من الضروري الفصل بين الرمزية السياسية وبين أي استنتاج انتخابي مباشر.
فالسياسة لا تُبنى على صورة واحدة، لكنها تُقرأ من خلال تراكم الصور واللقاءات والاتصالات، خصوصًا عندما تأتي في مرحلة تشهد إعادة تشكيل للمشهد السياسي اللبناني.
هل نحن أمام إعادة وصل مع الانتشار؟
السؤال الأهم الذي يفرض نفسه سياسيًا ليس ما إذا كان الغداء بحد ذاته يحمل رسالة انتخابية مباشرة، بل ما إذا كان يعكس توجهًا أوسع نحو إعادة بناء العلاقة مع اللبنانيين في الخارج.
فالاغتراب اللبناني يمتلك إمكانات كبيرة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما يمتلك تأثيرًا واضحًا داخل المجتمعات التي يعيش فيها اللبنانيون. وبالتالي، فإن أي قوة سياسية تنجح في تحويل هذا التواصل إلى علاقة مؤسساتية مستدامة ستكون قادرة على امتلاك مساحة إضافية في المشهد الوطني.
ومن هنا، فإن التواصل مع المغتربين قد يتحول من مجرد نشاط اجتماعي إلى استثمار سياسي طويل الأمد، شرط ألا يُختزل في المواسم الانتخابية أو في الحسابات الضيقة.
انتخابيًا… التفاصيل الصغيرة قد تصبح مؤثرة
في الحسابات الانتخابية اللبنانية، لا يمكن الاستهانة بالتفاصيل الصغيرة.
لقاء، زيارة، مأدبة، اتصال أو مناسبة اجتماعية قد لا يحمل أي إعلان سياسي مباشر، لكنه يساهم في بناء شبكة علاقات تتراكم مع الوقت. وهذه الشبكات تصبح أكثر أهمية عندما تقترب الانتخابات وتبدأ القوى السياسية في إعادة ترتيب تحالفاتها وتوسيع قواعدها الشعبية والاغترابية.
لكن القراءة المهنية تقتضي عدم القفز إلى استنتاجات غير مؤكدة: لا توجد، في المعطيات المتوافرة حول الغداء، مؤشرات معلنة تسمح بالقول إن اللقاء يندرج في إطار تحالف انتخابي أو تفاهم سياسي محدد.
المؤكد فقط أن التواصل مع المغتربين أصبح جزءًا من المشهد السياسي اللبناني، وأن أي حضور اغترابي فاعل يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز البعد الاجتماعي.
بين الرمزية والرسالة… أين تقف السياسة؟
قد يكون اللقاء عائليًا في أساسه، وقد تكون دوافعه تكريمية بحتة، إلا أن السياسة اللبنانية بطبيعتها تجعل من الصعب فصل المناسبات العامة تمامًا عن سياقها السياسي، خصوصًا في مرحلة تتجه فيها الأنظار إلى الاستحقاقات المقبلة وإلى إعادة تكوين المشهد الانتخابي.
وهنا تكمن أهمية لقاء بيت الوسط: ليس لأنه أعلن تحولًا سياسيًا، بل لأنه يعكس أهمية العلاقات الإنسانية والاجتماعية في صناعة المجال السياسي، ويعيد تسليط الضوء على سؤال الاغتراب ودوره في المرحلة المقبلة.
غداء على مائدة انتخابية
غداء السيدة بهية الحريري للمغترب فيصل بوعلي وعائلته في بيت الوسط يمكن أن يُقرأ على مستويين متوازيين: الأول اجتماعي وإنساني، والثاني سياسي ورمزي.
وبينما لا تسمح المعطيات المتاحة بإسقاط استنتاجات انتخابية مباشرة على اللقاء، فإن دلالته السياسية تكمن في توقيته وفي الحضور المتنامي للاغتراب على أجندة القوى السياسية اللبنانية.
ففي لبنان، حيث تختلط العلاقات الاجتماعية بالحسابات السياسية، قد لا تكون كل مأدبة بداية لتحالف، ولا كل لقاء مقدمة لترشيح، لكن المؤكد أن بناء شبكة العلاقات يبدأ غالبًا من لقاءات تبدو بسيطة… قبل أن تكشف صناديق الاقتراع حجم تأثيرها الحقيقي.
