أهملوه حيّا، وقطعوا راتبه، وتركوه يواجه قسوة الحياة وشدة المرض وحيدا، ثم مضى إلى رحمة الله من دون أن يجد بعد رحيله كلمة رثاء من الجهة التي أفنى فيها أكثر من أربعة عقود من عمره.
لم يُكتب عنه نعي، ولم يُنشر ما يعبّر عن الأسف لرحيله أو الحزن على فقدانه، ولم تصدر مواساة لأهله وأولاده. وغابت وزارة الإعلام ومؤسساتها ووسائلها ومسؤولوها، كما غاب التلفزيون اليمني، المؤسسة التي قضى فيها الراحل معظم سنوات عمره، عن قول كلمة وفاء في حق أحد كوادره الذين خدموا فيه عقودا طويلة.
و كان الإعلامي القدير سليمان سعيد سحاري السبّاق إلى إبلاغ الزملاء والأصدقاء بخبر وفاة زميله وصديقه ورفيق دربه، الأستاذ الإعلامي الكبير محمد مبارك الشوخي، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى مساء يوم الاثنين 21 سبتمبر 2026، في منزله بالعاصمة صنعاء، عن عمر ناهز السبعين عاما.
وداع متواضع بأجواء روحانية
تداعى الزملاء والأصدقاء والأقارب، وكنت من بينهم، صباح الثلاثاء 22 سبتمبر، للمشاركة في صلاة الجنازة على روح الفقيد في مسجد النور بحارة البليلي، حيث كان يسكن.
وكان المخرج التلفزيوني إبراهيم الأبيض بين الحاضرين، إلى جانب سليمان سحاري، مدير إدارة البرامج الدينية سابقًا، و أحمد وهاس ، مدير الإنتاج السابق، والمذيع محمد العريفي، وحشد من أفراد أسرته وأصدقائه وجيرانه.
كانت الأجواء مهيبة وروحانية. صوت القرآن يصدح في المكان، والغيوم تحجب السماء، فيما خيّمت الظلال على المكان وما حوله. وكان جسد الشوخي مسجّى على سرير الموتى، مغطى بسجادة خضراء نُقشت عليها آيات من القرآن الكريم وكلمات من الدعاء.
إلى نجليه أسامة ومصطفى، قدمنا التعازي، والدعوات لله الكريم الرحمن أن يتغمد والدهما بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته.
كان الحزن عميقا في وجهيهما، لكنهما بديا متماسكين، يحمدان الله على قضائه وقدره، ويرضيان بما كتب.
وما إن انتهت صلاة الجنازة حتى حمل الجيران والأصدقاء وأحبته نعشه، وتعالت أصوات الحاضرين بذكر الله والدعاء للراحل بالرحمة والمغفرة.
ثم وُضع جثمانه في سيارة نقل، ورافقه أبناؤه وأقاربه، وسط دعوات الجيران والأصدقاء، متجهين به إلى مسقط رأسه في قريته بمنطقة الأهجر في محافظة المحويت، حيث ووري الثرى ظهر يوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026.
رحل محمد مبارك الشوخي وهو مؤمن بأن ما عند الله خير وأبقى، وأن الدنيا مهما طال المقام فيها مآلها إلى الزوال والفناء.
الهدوء والتواضع والوقار.
كان الشوخي في حياته مثالا للرجل المتواضع، والأب الحنون، والصديق اللطيف، والزميل المتفاني، والمدير القدير.
وحين كان يحضر مجلس زميله وصديقه ورفيق دربه سليمان سحاري، كان كثير الابتسام، يصغي باهتمام لما يُحكى ويُقال، وتستهويه الطرفة والحكاية الشعبية الساخرة.
لكنه، في المقابل، كان حين يتحدث يجذب انتباه من حوله؛ فيصمت الآخرون ليستمعوا إليه، ويحترموا رأيه ومكانته. كان حديثه هادئا، ورؤيته متأنية، وكان يمتلك قدرة على الفهم والإدراك والنظر إلى الأمور بعمق وبعد نظر.
لم يكن ممن يفرضون حضورهم بالصوت المرتفع، بل كان حضوره نابعا من شخصيته وتجربته ومعرفته الطويلة بالعمل الإعلامي.
أربعة عقود بالتلفزيون اليمني
التحق محمد مبارك الشوخي بالتلفزيون اليمني في ثمانينيات القرن العشرين، وقضى فيه أكثر من أربعة عقود، متنقلا بين عدد من المهام الإدارية والفنية والبرامجية.
عمل مديرا لإدارة الاستعراض والبرامج المحلية، وشارك في إدارة البرامج وإعدادها، كما عمل في وقت سابق مشرفا على الرقابة وعرض البرامج العلمية والوثائقية والبرامج اليمنية.
وكان من المهتمين بإعداد البرامج الدينية، وشارك مع زميله سليمان سحاري في إعداد عدد من هذه البرامج، ومن بينها مسابقة “في رحاب القرآن” التي استمرت لأكثر من خمسة عشر عامًا.
وهو تاريخ مهني طويل لا تختصره وظيفة أو منصب، بل تختصره سنوات من العمل اليومي خلف شاشة التلفزيون، ومن الجهد الذي غالبا ما لا يراه المشاهد، لكنه يشكل جزءا أساسيا من صناعة البرامج والمحتوى الإعلامي.
إلى قناة الإيمان
وفي نوفمبر 2012، صدر قرار من وزير الإعلام اليمني آنذاك علي العمراني بتعيين محمد مبارك الشوخي نائبًا لمدير عام قناة الإيمان للشؤون البرامجية، ومديرا لإدارة البرامج، وفي عام 2013 كُلّف برئاسة القناة.
وكانت قناة الإيمان قد أُطلقت رسميًا في سبتمبر 2008 ضمن باقة التلفزيون اليمني، بوصفها قناة دينية متخصصة. وفي بدايتها كانت تتبع قطاع قناة اليمن الفضائية، واعتمد إنتاجها على كوادر التلفزيون اليمني من مذيعين وإداريين وفنيين، ومن بينهم الراحل لطف الخميسي، المشرف العام على القناة، وسليمان سحاري، مدير البرامج الدينية في القناة الأولى، والمذيع محمد العريفي، وغيرهم من العاملين في التلفزيون.
وكانت الفكرة التي انطلقت عليها القناة، بحسب ما كان معلنا عنها آنذاك، تقوم على تقديم خطاب ديني يركز على قيم الاعتدال والوسطية، ويتناول القضايا الإيمانية بعيدًا عن التعصب المذهبي أو الجهوي أو القبلي أو السلالي أو الطائفي.
وفي هذا السياق، كان الشوخي واحدا من أبناء التلفزيون اليمني الذين أسهموا في العمل البرامجي والإداري، وراكموا خبرة طويلة في مجال الإعلام المرئي.
رحيل بلا ضجيج
لم يكن رحيل محمد مبارك الشوخي صاخبا، كما لم تكن حياته كذلك.
غاب عن الشاشة وغاب عنه الزملاء قبل أن يغيب عن الدنيا، وعانى المرض وقسوة الظروف، ثم رحل بهدوء، وكأن مسيرة أكثر من أربعين عاما في الإعلام لم تجد في نهايتها من يتوقف عندها قليلا.
قد يختلف الناس في تقييم المؤسسات والأشخاص والأدوار، لكن من حق من أفنى عمره في خدمة مؤسسة عامة أن يُذكر بعد رحيله، وأن تُستعاد سيرته المهنية، وأن تتذكر المؤسسة التي عمل فيها واحدا من أبنائها.
لقد قال الزملاء والأصدقاء كلمتهم بحضورهم في جنازته، وقال الجيران كلمتهم بحمل نعشه ومرافقته إلى مثواه الأخير، وقال أبناؤه كلمتهم بالصبر والرضا والدعاء.
لقد قال الزملاء والأصدقاء كلمتهم بحضورهم في جنازته، وقال الجيران كلمتهم بحمل نعشه ومرافقته إلى مثواه الأخير، وقال أبناؤه كلمتهم بالصبر والرضا والدعاء.
أما الكلمات التي لم تُقل، والنعوات التي لم تُكتب، والرسائل التي لم تصل، فستظل جزءا من قصة رحيل هذا الرجل الذي أعطى سنوات طويلة من عمره للإعلام والتلفزيون.
رحم الله الأستاذ محمد مبارك الشوخي، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أبناءه وأهله ومحبيه الصبر والسلوان.
#عبده_عايش
