التسويق ببساطة.. الحلقة (13): نحن لا نعيش أزمة محتوى… نحن نعيش أزمة انتباه

*عبدالحكيم محد الفقيه
في زمن أصبح فيه الجميع قادرًا على صناعة المحتوى، لم تعد المشكلة «ماذا تنشر؟» بل «لماذا سيتوقف الناس عند ما تنشره؟». هناك شيء تغير في عالم التسويق؛ فالشركات أصبحت تنشر أكثر من أي وقت مضى، من صور وفيديوهات وعروض وإعلانات وتعاونات مع المؤثرين، فضلًا عن تصاميم تُنجز خلال دقائق بمساعدة الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، لا تشعر كثير من الشركات بأن حضورها يزداد؛ تنشر اليوم وغدًا وبعد غد، لكن العميل لا يتذكرها.

السبب وراء ذلك هو أننا لم نعد نعيش أزمة محتوى، بل نعيش أزمة انتباه. المحتوى أصبح وفيرًا جدًا، بينما وقت الإنسان واهتمامه محدودان للغاية. فعندما يفتح شخص هاتفه في صنعاء أو عدن أو تعز، فهو لا يرى منشور شركتك بمفرده، بل تتزاحم أمامه الأخبار، والأصدقاء، والفيديوهات، والمطاعم، والمتاجر، والمؤثرون. أنت عمليًا لا تنافس منافسك المباشر فقط، بل تنافس كل شيء يظهر على شاشة العميل؛ ولهذا لم يعد السؤال: ماذا سننشر اليوم؟ بل: ما الذي سيجعل الناس يتوقفون عنده؟

المشكلة الأكبر تكمن في أن الجميع بات يردد العبارات ذاتها: «أفضل جودة»، «أسعار منافسة»، «خدمة متميزة»، «ثقة وأمان»، و«خبرة طويلة». هذه الكلمات ليست خاطئة، لكن تكرارها أفقدها التأثير. تخيل مطعمًا يقول: «نقدم أشهى الوجبات بأفضل جودة»، ثم يكرر مطعم ثانٍ وثالث الكلام نفسه، أين التميز هنا؟ في المقابل، عندما يخاطب المطعم العميل قائلًا: «رجعت من الدوام متأخر؟ عشاءك جاهز خلال 15 دقيقة»، فهو هنا لا يتحدث عن نفسه، بل يلامس مشكلة واقعية يعيشها العميل. وهنا يبدأ التسويق الحقيقي، فالناس لا تشتري المنتج بقدر ما تشتري الحل.

عميل البنك لا يبحث عن فتح حساب مصرفي لذاته، بل يريد طريقة أسهل لإدارة أمواله. ومستخدم المحفظة الإلكترونية لا تهمه التقنية بقدر حاجته للتحويل والدفع والاستلام بسلاسة. وبالمثل، عميل الاتصالات لا يشتري «جيجابايت» مجردة، بل يبحث عن البقاء متصلًا بأحبائه وأعماله، ومن يسجل في دورة تدريبية لا يريد مجرد شهادة، بل يطمح لمهارة تفتح له آفاقًا مهنية جديدة.

لذلك، عندما تسوق، لا تبدأ من منتجك بل ابدأ من حياة العميل؛ واسأل نفسك: ما المشكلة التي أستطيع حلها له؟ تذكر دائمًا أن مجرد المشاهدة لا يعني النجاح، فهناك فرق شاسع بين المشاهدة، والانتباه، والتذكر، والثقة، والشراء. قد يشاهد إعلانك مليون شخص دون أي أثر حقيقي، بينما قد يشاهده عشرة آلاف، فيتذكرك منهم ألف، ويتواصل مئة، ويتحول عشرة إلى عملاء دائمين. الانتشار ليس هو المقياس دائمًا، بل التأثير الفعلي.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، أصبحت «الإنسانية» هي الميزة التنافسية الأقوى. لقد سهّل الذكاء الاصطناعي إنتاج النصوص والصور المصقولة، مما جعل التميز الحقيقي يكمن في الفكرة الصادقة، والقصة الملهمة، وفهم السياق الإنساني. قد يكون مقطع فيديو بسيط وغير متكلف، صُوّر داخل متجر ليتحدث فيه صاحبه بعفوية عن تجربة واقعية، أكثر تأثيرًا بكثير من حملة إعلانية ضخمة تفتقر للروح والمصداقية؛ فالناس تبحث دائمًا عما يشبه حياتها وتفاصيلها اليومية.

تجنب أيضًا الوقوع في خطأ حشو المنشور بجميع التفاصيل دفعة واحدة من مزايا وأسعار وفروع وشروط؛ فالمحتوى الفعال لا يستعرض كل شيء، بل يثير فضول العميل ويدفعه لمعرفة المزيد. التسويق ليس سباقًا في وتيرة النشر اليومي؛ قد يراك العميل باستمرار دون أن يترك ذلك أثرًا، وقد تنشر محتوى نوعيًا واحدًا يظل حديث الناس لأيام. ابحث عن المحتوى الذي يقدم قيمة ملموسة ويحل معضلة حقيقية ويدفع المتابع لمشاركته مع الآخرين.

في الماضي، كان التحدي هو الحصول على مساحة إعلانية، أما اليوم فالمساحات مفتوحة للجميع، وأصبح التحدي الأكبر هو صناعة الاهتمام. المنافسة اليوم لا يحسمها من ينشر أكثر، بل من يفهم جمهوره بعمق، ويتحدث بلغتهم، ويمنحهم سببًا مقنعًا للتوقف. في المرة القادمة التي تستعد فيها للنشر، لا تسأل: «كم شخصًا سيشاهد الإعلان؟»، بل اسأل: «لماذا سيتوقف شخص واحد أمامه؟»؛ لأنك في النهاية لا تحتاج إلى أن يراك الجميع، بل تحتاج أن يراك الشخص الصحيح ويتذكرك.

 

مستشار تسويق*

اخبار ذات صلة