بقلم / محمد الصالحي
تتبدّى في اللحظات التاريخية الحرجة والتحولات الجيوسياسية الكبرى حاجةٌ ملحّة إلى تجاوز سطح المشهد السياسي والإعلامي، والغوص عميقاً في البنى والأفكار والمحركات التي تقف خلف الصراع، لأن ما يظهر على شاشات الأخبار من تحالفات وعمليات عسكرية وعقوبات وحصار ومفاوضات ليس سوى الطبقة الخارجية لصراع أعمق بكثير.
ومن هنا، فإن الحديث عن المولد النبوي الشريف لا ينبغي أن يبقى محصوراً في حدود المناسبة الدينية أو الاستذكار التاريخي لميلاد الرسول الأعظم محمد صلوات الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما يمكن أن يكون مناسبة لإعادة قراءة واقعنا، واستحضار الرسالة التي جاء بها، والوقوف على ما تمثله الهوية المحمدية من منظومة قيم ووعي وكرامة وعدل واستقلال، في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستكبار التي تسعى إلى إخضاع المنطقة وإعادة تشكيلها وفق مصالح القوى الكبرى.
فالهوية المحمدية ليست مجرد انتساب اسمي إلى الإسلام، ولا مجرد طقوس ومظاهر احتفالية موسمية؛ إنها هوية تقوم على التوحيد، والعدل، والكرامة، ونصرة المستضعفين، ورفض الظلم والاستكبار، والتحرر من الخضوع للبشر، وبناء الإنسان القادر على أن يكون عبداً لله وحده، لا تابعاً لقوة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.
وعند النظر إلى المشهد الإقليمي الراهن، فإن التفسيرات التقليدية القائمة على صراع النفوذ، والسيطرة على مصادر الطاقة، والتحكم في الممرات البحرية، وإعادة توزيع مناطق النفوذ، تظل مهمة وأساسية، لكنها لا تبدو كافية وحدها لتفسير هذا المستوى من الاستقطاب والصلابة في المواجهة. فنحن أمام صراع مركب تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد والأمن، وتتفاعل فيه المصالح المادية مع الهوية والتاريخ والذاكرة الجمعية والدين والثقافة.
وهنا تبرز أهمية مفهوم «صراع الحضارات»، الذي طرحه صموئيل هنتنغتون، باعتباره أحد المفاتيح التي يمكن من خلالها فهم جانب من طبيعة الصراع الدولي الراهن، لا باعتباره تفسيراً وحيداً ونهائياً لكل ما يجري، وإنما باعتباره إطاراً يساعد على فهم الطريقة التي يمكن أن تتحول بها الاختلافات الثقافية والتاريخية والهوياتية إلى عناصر فاعلة في الصراع.
غير أن ما يهمنا هنا ليس فقط الحديث عن الحضارات باعتبارها كيانات تاريخية، وإنما عن الهوية باعتبارها قوة سياسية وحضارية قادرة على الصمود في مواجهة محاولات إعادة تشكيل المجتمعات من الخارج.
وهنا تحديداً تبرز الهوية المحمدية باعتبارها أحد أعمق عناصر التكوين الحضاري لشعوب واسعة في هذه المنطقة.
فالرسول الأعظم محمد صلوات الله عليه وعلى آله وسلم لم يأتِ برسالة مرتبطة بزمان أو قوم أو جغرافيا محددة، وإنما جاء برسالة أعادت تعريف الإنسان وعلاقته بالله والمجتمع والسلطة والعدل. وقد استطاعت هذه الرسالة خلال فترة تاريخية قصيرة أن تتجاوز حدود الجزيرة العربية، وأن تدخل في تفاعل عميق مع حضارات وشعوب متعددة، فتشكلت عبر القرون حضارة إسلامية واسعة امتزجت فيها شعوب وثقافات ولغات وأعراق متعددة تحت مظلة الإسلام.
هوية رسالية وحضارية عابرة للحدود
ومن هنا فإن الحديث عن الهوية المحمدية لا يعني الحديث عن هوية عرقية أو قومية، وإنما عن هوية رسالية وحضارية عابرة للحدود، استطاعت أن تجمع العربي والفارسي واليمني والعراقي وغيرهم في فضاء حضاري واحد، وأن تجعل الانتماء إلى الرسالة الإسلامية أوسع من الانتماءات القومية والجغرافية.
ولذلك فإن النظر إلى إيران واليمن والعراق، على سبيل المثال، من زاوية الجغرافيا السياسية وحدها، يمثل قراءة ناقصة للمشهد.
فإيران ليست مجرد دولة ذات موقع استراتيجي وثروات هائلة وقوة إقليمية. إنها بلد يمتلك إرثاً حضارياً عميقاً سبق الإسلام بآلاف السنين، ثم دخل بعد الإسلام في تفاعل عميق مع الحضارة الإسلامية، وأصبح أبناؤها جزءاً أصيلاً من بناء الفكر والثقافة والعلوم الإسلامية.
ويكفي أن نستحضر في هذا السياق شخصية سلمان الفارسي رضي الله عنه، الذي ارتبط بالرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله وسلم ارتباطاً خاصاً، حتى أصبح مثالاً بالغ الدلالة على قدرة الرسالة المحمدية على تجاوز الحواجز القومية والعرقية. فلم يكن سلمان العربي، لكنه أصبح من أهل بيت النبي في مقامه ومحبته ومكانته، في دلالة عميقة على أن الهوية التي أسسها الإسلام لم تكن هوية عنصرية مغلقة، وإنما هوية رسالية استطاعت أن تستوعب الشعوب والحضارات.
واليمن كذلك ليس مجرد موقع استراتيجي عند باب المندب، ولا مجرد دولة تقع في جنوب الجزيرة العربية. إنه أرض ذات حضارة ضاربة في القدم، ارتبطت بممالك سبأ وحمير وغيرها، وأسهمت في صناعة التاريخ الاقتصادي والتجاري للمنطقة.
لكن أهمية اليمن في الوعي الإسلامي تتجاوز هذا الإرث الحضاري القديم؛ فقد كان اليمن من البيئات التي وصل إليها الإسلام في وقت مبكر، وارتبط بالرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله وسلم ارتباطاً مباشراً من خلال رسائله ووفوده ودعاته الذين أرسلهم إلى اليمن، وفي مقدمتهم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ومعاذ بن جبل.
ويكفي أن تستحضر الذاكرة الإسلامية الحديث الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية»، بما يحمله من دلالة رمزية عميقة على المكانة التي احتلها اليمن وأهله في الوعي الإسلامي.
أما العراق، فليس مجرد بلد غني بالنفط أو دولة ذات موقع استراتيجي في قلب غرب آسيا، وإنما هو أرض بلاد الرافدين، ومهد واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية، ثم أصبح بعد الإسلام واحداً من أهم مراكز الحضارة الإسلامية.
فالكوفة والبصرة وبغداد لم تكن مجرد مدن في التاريخ الإسلامي، وإنما كانت مراكز للعلم والفقه والفكر واللغة والسياسة، وكان العراق مسرحاً لأحداث مفصلية في التاريخ الإسلامي، ارتبط بعضها بالإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم بكربلاء التي أصبحت إحدى أكثر الوقائع حضوراً في الذاكرة الإسلامية، ولا سيما في الوجدان الشيعي، بما تحمله من معاني التضحية والكرامة ورفض الظلم.
وهكذا، فإن إيران والعراق واليمن ليست مجرد ثلاث جغرافيات متجاورة في معادلة الصراع الإقليمي، وإنما هي أمثلة على جغرافيا تداخل فيها الإرث الحضاري القديم مع الهوية الإسلامية، وتراكم فيها التاريخ السياسي والثقافي والديني على مدى قرون طويلة.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من طبيعة المواجهة الراهنة.
فالمشروع الذي يحاول إعادة تشكيل المنطقة لا يواجه جغرافيا صماء، وإنما يواجه ذاكرة حضارية. ولا يواجه دولاً فقط، وإنما يواجه مجتمعات لها تصوراتها عن ذاتها وعن تاريخها وعن مستقبلها.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الضعف في القراءة الاستراتيجية الغربية للمنطقة: التعامل مع الجغرافيا بمعزل عن التاريخ، ومع الدولة بمعزل عن المجتمع، ومع القوة العسكرية بمعزل عن الهوية.
فالهوية المحمدية لا تزال حاضرة، بدرجات مختلفة، في الوعي الجمعي لشعوب المنطقة، وتظهر في اللغة والقيم والرموز والمناسبات الدينية وفي تصور الإنسان للعدل والظلم والكرامة والسيادة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم ارتباط أطراف ما يُعرف اليوم بمحور الجهاد والمقاومة بالرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا الارتباط، في جوهره، ليس ادعاءً بوجود امتداد تنظيمي مباشر إلى عصر النبوة، ولا يعني أن جميع هذه القوى تمثل كياناً واحداً أو تتطابق في رؤاها ومواقفها، وإنما يعبر عن مرجعية دينية ورمزية مشتركة تستحضر الرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله وسلم باعتباره مؤسس الرسالة الإسلامية ومصدر منظومة القيم التي تقوم على التوحيد والعدل والكرامة ورفض الظلم والاستكبار.
وهنا يصبح المولد النبوي الشريف أكثر من مناسبة للاحتفال بذكرى الميلاد؛ إنه مناسبة لاستعادة السؤال الأكبر: ماذا يعني أن نكون أتباعاً لمحمد صلوات الله عليه وعلى آله وسلم في زمن الهيمنة والاستكبار؟
فإذا كانت الرسالة المحمدية قد حررت الإنسان من عبادة البشر، فكيف يمكن أن تتحول أمة محمد إلى أمة تقبل التبعية والإملاءات الخارجية؟
وإذا كان الرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله وسلم قد أسس مجتمعاً يقوم على العدل والكرامة والتكافل، فكيف يمكن أن يصبح الظلم والاحتلال والاستكبار أمراً طبيعياً في وعي الأمة؟
وإذا كانت الرسالة قد رفضت الاستعلاء والفساد، فكيف يمكن أن تكون الهوية المحمدية مجرد طقوس منفصلة عن موقف الإنسان من قضايا أمته؟
المولد النبوي مناسبة لإحياء معنى الرسالة
إن هذه الأسئلة تجعل المولد النبوي الشريف مناسبة لإحياء المعنى السياسي والحضاري للرسالة، لا الاكتفاء بالمعنى الاحتفالي.
فالاحتفال الحقيقي بميلاد الرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله وسلم لا يكون فقط بإحياء الذكرى، وإنما بإحياء القيم التي جاء بها؛ بالتمسك بالحق، والوقوف مع المظلوم، ورفض الاستكبار، والدفاع عن الكرامة والسيادة، وبناء الإنسان الذي لا يقبل أن تتحول أمته إلى تابع في نظام دولي تتحكم فيه القوى الكبرى.
وهنا تحديداً تتقاطع الهوية المحمدية مع معركة الاستقلال والسيادة.
فالهيمنة لا تبدأ دائماً بالدبابات والطائرات؛ قد تبدأ من محاولة إعادة تشكيل الوعي، وإقناع الشعوب بأن تاريخها متخلف، وأن هويتها عبء، وأن استقلالها مستحيل، وأن مستقبلها لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الارتهان للقوى الكبرى.
وهذا هو المستوى الأخطر في الصراع: الصراع على الإنسان قبل الأرض، وعلى الوعي قبل الجغرافيا.
فالولايات المتحدة وحلفاؤها قد يمتلكون فائضاً هائلاً من القوة العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية، لكن امتلاك القوة لا يعني امتلاك الحق في تحديد هوية الآخرين أو رسم مستقبلهم.
القوة تستطيع أن تدمر، لكنها لا تستطيع أن تصنع الشرعية. وتستطيع أن تقصف المدن، لكنها لا تستطيع أن تقصف الذاكرة. وتستطيع أن تحاصر الاقتصاد، لكنها لا تستطيع أن تحاصر الهوية. وتستطيع أن تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تفرض القبول به إلى الأبد.
وهذه هي النقطة التي كثيراً ما تغيب عن حسابات القوة الكبرى: القوة تستطيع أن تدمر، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تقنع؛ تستطيع أن تحتل الأرض، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تمتلك وعي أهلها؛ تستطيع أن تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع مستقبلاً مستقراً.
إن أخطر خطأ يمكن أن ترتكبه قوة عظمى هو أن تخلط بين امتلاك القدرة على إلحاق الضرر وامتلاك القدرة على صناعة التاريخ.
فالتاريخ لا تصنعه الطائرات وحدها، ولا تكتبه حاملات الطائرات، ولا تحدد مساره العقوبات الاقتصادية.
التاريخ تصنعه الشعوب أيضاً، وتصنعه ذاكرتها، وهويتها، وإرادتها، وقدرتها على تحويل المحن إلى عوامل لإعادة إنتاج الذات.
المشروع الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة
ولهذا فإن المشروع الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة لا يواجه مجرد قوى عسكرية أو حكومات يمكن الضغط عليها، بل يواجه أيضاً تراكمات تاريخية وهوية جمعية وروايات دينية وسياسية متجذرة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى في الصراع الراهن: قوى تمتلك فائضاً هائلاً من القوة المادية في مواجهة مجتمعات تمتلك فائضاً من التاريخ والهوية والذاكرة والإرادة.
قد تمتلك واشنطن أحدث الطائرات والقاذفات وحاملات الطائرات، لكنها لا تستطيع أن تمحو آلاف السنين من تاريخ إيران واليمن والعراق، ولا أن تلغي الذاكرة الإسلامية التي تشكلت في هذه المنطقة، ولا أن تفصل شعوبها عن إرث الرسالة المحمدية.
وهذا لا يعني أن التاريخ وحده يكفي لتحقيق الانتصار، ولا أن الحضارة تمنح حصانة تلقائية من الهزيمة؛ فالحضارات لا تنتصر بمجرد قدمها، والشعوب لا تنتصر لمجرد امتلاكها ذاكرة تاريخية. وإنما تصبح الهوية قوة حين تتحول إلى وعي وإرادة ومؤسسات وقدرة على الفعل السياسي والحضاري.
ومن هنا فإن معركة الهوية المحمدية ليست معركة ضد حضارة أخرى لمجرد اختلافها، وليست دعوة إلى صراع ديني مع الشعوب والثقافات الأخرى، وإنما هي مواجهة مع الهيمنة والاستكبار ومحاولات فرض الإرادة الخارجية على شعوب المنطقة.
جوهر الرسالة المحمدية
فالرسالة المحمدية، في جوهرها، ليست مشروعاً لإلغاء الآخر، وإنما مشروع لتحرير الإنسان من الخضوع لغير الله، وإقامة العدل، وصيانة الكرامة، ورفض الظلم.
ولهذا فإن مواجهة الهيمنة لا تعني الانغلاق على الذات، بل تعني امتلاك القدرة على التفاعل مع العالم من موقع الندية، لا التبعية؛ ومن موقع الشراكة، لا الإملاء؛ ومن موقع الاستقلال، لا الارتهان. وهنا تتضح العلاقة بين المولد النبوي الشريف والصراع الراهن.
فميلاد الرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله وسلم كان بداية تحول تاريخي غيّر موازين القوى في عالم ذلك العصر، ليس لأنه امتلك في البداية الإمكانات المادية التي كانت تمتلكها الإمبراطوريات الكبرى، وإنما لأنه حمل مشروعاً قادراً على بناء الإنسان وإعادة تشكيل المجتمع وصناعة الإرادة. وهذا هو الدرس الذي ينبغي استعادته اليوم.
إن الأمة التي تريد أن تواجه الهيمنة لا يكفيها أن تمتلك السلاح؛ عليها أن تمتلك الوعي. ولا يكفيها أن تحمي حدودها؛ عليها أن تحمي هويتها. ولا يكفيها أن تدافع عن أرضها؛ عليها أن تدافع عن روايتها التاريخية والحضارية. ولا يكفيها أن ترفض الاحتلال؛ عليها أن ترفض أيضاً التبعية الفكرية والسياسية والاقتصادية التي تجعل قرارها مرتهناً للخارج. والهوية المحمدية، بهذا المعنى، ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، وإنما مشروع وعي واستقلال وكرامة.
استحضار لرسالة
ومن هنا فإن إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف في زمن الهيمنة والاستكبار يحمل دلالة تتجاوز الاحتفال بالماضي؛ إنه استحضار لرسالة ما زالت حاضرة في الحاضر، واستدعاء لقيم ما زالت قادرة على تشكيل المستقبل.
فالرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله وسلم لم يترك للأمة مجرد ذكرى تاريخية، وإنما ترك رسالة ومنظومة قيم ومشروعاً حضارياً أعاد تعريف الإنسان وموقعه في الحياة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في ذكرى مولده ليس فقط: كيف نحتفل بمولد محمد؟ بل السؤال الأعمق: كيف نكون أمة محمد؟ كيف نحافظ على كرامتنا؟ كيف نصون استقلال قرارنا؟ كيف نرفض الظلم والاستكبار؟ كيف نقف مع المستضعفين؟ كيف نبني قوتنا دون أن نفقد إنسانيتنا؟ وكيف نحول هويتنا المحمدية من ذاكرة تاريخية إلى قوة حضارية حاضرة؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل المولد النبوي الشريف مناسبة لإعادة اكتشاف الذات، لا مجرد استذكار الماضي.
ففي مواجهة عالم تحاول فيه قوى كبرى إعادة هندسة المنطقة وفق مصالحها، تصبح الهوية إحدى أهم ساحات الصراع. وفي مواجهة القوة التي تريد أن تقول إن المستقبل يُصنع بالطائرات والقواعد العسكرية، تقول الهوية إن المستقبل يُصنع أيضاً بالإرادة والوعي. وفي مواجهة من يريد أن يجعل شعوب المنطقة مجرد أرقام في خرائط النفوذ، تقول الهوية المحمدية إن الإنسان ليس تابعاً، وإن الأمة ليست فراغاً جيوسياسياً، وإن السيادة ليست منحة تقدمها القوى الكبرى. إنها معركة على الإنسان قبل الأرض، وعلى الوعي قبل السلاح، وعلى المستقبل قبل الحاضر.
وفي نهاية المطاف، قد تمتلك القوى الكبرى القدرة على الوصول إلى المنطقة من وراء البحار، وقد تستطيع أن تدمر وتضغط وتحاصر، لكنها لا تستطيع أن تمتلك مستقبل شعوبها ما لم تستطع أن تنتزع منها هويتها وإرادتها.
وهنا تحديداً تكمن قوة الهوية المحمدية. فقد تستطيع القوة أن تهدم الأبنية، لكنها لا تستطيع أن تهدم المعنى. وقد تستطيع أن تحاصر الجغرافيا، لكنها لا تستطيع أن تحاصر الذاكرة. وقد تستطيع أن تفرض الخوف، لكنها لا تستطيع أن تضمن صناعة الإيمان. وقد تستطيع أن تؤجل المواجهة، لكنها لا تستطيع أن تلغي جذورها.
ومن هنا، فإن المولد النبوي الشريف ليس عودة إلى الماضي فحسب، وإنما عودة إلى المنبع الذي تشكلت منه هوية أمة ما زالت تبحث عن موقعها في عالم تتصارع فيه المشاريع والإرادات.
إنها دعوة إلى استعادة الهوية المحمدية لا باعتبارها شعاراً موسمياً، وإنما باعتبارها وعياً بالذات، ورفضاً للهيمنة، وتمسكاً بالكرامة، وانحيازاً للعدل، وإيماناً بأن مستقبل المنطقة لا ينبغي أن يُكتب بالنيابة عن شعوبها.
فالهوية المحمدية في مواجهة الهيمنة ليست معركة على الماضي، وإنما معركة على المستقبل؛ وليست صراعاً من أجل استعادة التاريخ، وإنما من أجل أن تمتلك الأمة حق كتابة تاريخها ومستقبلها بإرادتها.
نقلا عن صحيفة ٢٦ سبتمبر، العدد ٢٤٧٠، الاثنين ١١ ربيع الأول ١٤٤٨هـ، ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦م.
