■بيروت _أحمد موسى
بين هدنةٍ هشّة تتآكل يومًا بعد يوم، وتصعيدٍ ميداني لا يتوقف في جنوب لبنان، تنطلق في واشنطن الجولة الثالثة من المحادثات اللبنانية ـ الإسرائيلية، وسط مشهدٍ إقليمي ودولي بالغ التعقيد، تتداخل فيه الحسابات الأمنية بالضغوط السياسية، فيما تبدو المنطقة بأكملها أمام سباقٍ بين التفاهم والانفجار.
وبحسب المعطيات المتداولة، تبدأ الاجتماعات عند الساعة التاسعة صباحًا بتوقيت واشنطن، على أن تستمر حتى الخامسة مساءً، في جلسة طويلة ومفتوحة يُفترض أن تركز مرحلتها الأولى على تثبيت وقف إطلاق النار، تمهيدًا لضمان استمرار المسار التفاوضي ومنع انهياره في بداياته.
لكن خلف الطابع “التقني” للمفاوضات، تدور معركة سياسية وأمنية كبرى. فالتقارير الأميركية تتحدث بوضوح عن محاولة إدارة الرئيس الأميركي Donald Trump بناء نموذج “اتفاق أمني” بين لبنان وإسرائيل، وليس اتفاق سلام مباشر، في مقاربة تسعى إلى إنتاج صيغة أقلّ حساسية داخليًا للبنان وأكثر قابلية للتسويق إقليميًا، خصوصًا في ظلّ التعقيدات اللبنانية والانقسام الداخلي حول أي شكل من أشكال التطبيع.
مفاوضات مباشرة… ولكن تحت النار
اللافت أن هذه الجولة تُعقد برعاية وحضور أميركي مباشر، فيما تتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب بوتيرة مرتفعة، من اغتيالات وتوغلات وقصف واستهداف للبنية المدنية، ما يطرح أسئلة جدية حول جدوى التفاوض في ظلّ استمرار “إسرائيل” بفرض وقائع ميدانية بالنار.
وتتعامل أوساط سياسية لبنانية مع هذا المسار بوصفه “مفاوضات لتقطيع الوقت”، تمنح رئيس الحكومة الإسرائيلية Benjamin Netanyahu هامشًا إضافيًا لفرض شروطه الميدانية، خصوصًا أن حكومة الاحتلال تسعى إلى استثمار الضغط العسكري لتحقيق مكاسب تفاوضية تتصل بملف الحدود والسلاح والترتيبات الأمنية في الجنوب.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى رفع إسرائيل مستوى تمثيلها العسكري في الاجتماعات باعتباره مؤشرًا واضحًا إلى أن تل أبيب تريد حسم ملف السلاح أولًا قبل الانتقال إلى أي ملفات أخرى، وهو ما تعتبره دوائر متابعة محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك جنوبًا وفق الرؤية الأمنية الإسرائيلية.
لبنان الرسمي… بين الضغوط والعجز
في المقابل، تبدو الحكومة اللبنانية في موقع شديد الحساسية، إذ تحاول تسويق خيار استمرار المفاوضات المباشرة باعتباره السبيل الوحيد لمنع الانفجار الشامل، في وقت تواجه فيه انتقادات داخلية متصاعدة بأنها تدخل هذا المسار “بيدين خاليتين”، من دون أوراق ضغط فعلية، بينما يواصل الاحتلال سياسة القتل والتدمير وفرض الوقائع الميدانية.
وتشير المعلومات إلى أن مصير اجتماع الجمعة سيتحدد بناءً على الرد الإسرائيلي على الطرح اللبناني، وفي حال الوصول إلى تفاهم أولي، سيتم الانتقال إلى استكمال بقية الخطوات والملفات العالقة.
وفي الكواليس، يواصل السفير اللبناني في واشنطن Simon Karam منذ وصوله إلى العاصمة الأميركية سلسلة اتصالات مكثفة بالتنسيق مع السفيرة اللبنانية في واشنطن Nada Hamadeh، في محاولة لتأمين دعم سياسي للموقف اللبناني وضبط مسار التفاوض ضمن سقف يمنع الانزلاق نحو تنازلات كبرى.
الجنوب يغلي… والمنطقة تترقب
كل ذلك يجري فيما جنوب لبنان يغلي على صفيح ساخن، وسط مخاوف حقيقية من انهيار الهدنة وعودة الأمور إلى نقطة الصفر، خصوصًا إذا فشلت واشنطن في انتزاع تفاهمات أولية توقف التصعيد الميداني.
ويأتي هذا المشهد بالتزامن مع انشغال الإدارة الأميركية بملفات دولية كبرى، أبرزها المفاوضات الاقتصادية والسياسية الشرسة التي يقودها ترامب مع الصين، ما يجعل الساحة اللبنانية جزءًا من شبكة أوسع من التوازنات الإقليمية والدولية التي تُدار تحت سقف إعادة رسم النفوذ في الشرق الأوسط.
وفي ظلّ هذا المشهد المعقّد، تبدو واشنطن وكأنها تحاول إنتاج “هدنة استراتيجية” أكثر منها تسوية نهائية، فيما يبقى السؤال الأهم: هل تنجح المفاوضات في منع الانفجار… أم أن الجنوب يتجه نحو جولة جديدة تُكتب بالنار لا بالدبلوماسية؟.
