البقاء للاتقى.. ثورة 21 سبتمبر في عامها الثاني عشر

بقلم/ محمد الصالحي

اثنا عشر عاماً من عمر ثورة 21 سبتمبر قدمت اختباراً حاسماً لمعادلة الصراع، وأعادت طرح سؤال البقاء من زاوية مختلفة: هل البقاء نتيجة مباشرة لامتلاك القوة المادية، أم أن هناك عوامل أعمق تمنح المشروع القدرة على الصمود والاستمرار وتحويل التحديات إلى عناصر قوة؟

في الفكر السياسي الحديث ترتبط القوة بالبقاء؛ فالدولة التي تمتلك أدوات القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها وفرض إرادتها، بينما يصبح الطرف الأضعف أكثر عرضة للضغط والإخضاع. لكن هذه المعادلة، رغم أهميتها في تفسير جانب من الصراعات، لا تفسر وحدها قدرة بعض المشروعات على الاستمرار أمام اختلال هائل في موازين القوة.

هنا تتقابل معادلتان: «البقاء للأقوى» التي تختزل الصراع في امتلاك القوة المادية، و*«البقاء للاتقى»* التي تربط العاقبة بالإيمان والثبات والإرادة والهوية والقدرة على الصمود.

فالقرآن الكريم يحسم المعادلة بقوله سبحانه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

والتقوى هنا ليست قيمة فردية معزولة عن حركة التاريخ، وإنما تتحول حين تصبح منهجاً إلى قوة تصنع الثبات، وتبني الإرادة، وتمنح الإنسان والمجتمع القدرة على مواجهة الضغوط دون التخلي عن المبادئ والأهداف. ومن هذا المنطلق تصبح التقوى أحد المصادر التي تنتج القوة وتحافظ على اتجاهها، لا بديلاً عن القوة وأدواتها.

وهنا تأتي ثورة 21 سبتمبر بوصفها تجربة يمكن قراءة مسارها خلال اثني عشر عاماً من خلال هذه المعادلة.

فالثورة لم تكن مجرد لحظة لتغيير مواقع السلطة، بل فتحت قضية أوسع تتعلق بطبيعة القرار اليمني ومصدره وحدود تأثير القوى الخارجية فيه. ولذلك ارتبط جوهرها، في خطابها ومشروعها، بمسألة الاستقلال والقرار والهوية، وبإعادة تعريف علاقة اليمن بالوصاية والتبعية.

وكان أول تطبيق لهذه الرؤية هو إعادة وضع القرار اليمني في قلب الصراع.

فالسؤال لم يعد محصوراً في من يحكم اليمن، وإنما أصبح: من يملك قرار اليمن؟ ومن يحدد خياراته؟ ومن يقرر علاقاته وتحالفاته وموقفه من القضايا الإقليمية والدولية؟

وهذا التحول في طبيعة السؤال مهم؛ لأن تغيير السلطة يمكن احتواؤه وإعادة توجيهه، بينما تغيير علاقة الدولة بمصادر القرار الخارجي يفتح مواجهة أوسع مع منظومة مصالح تراكمت على مدى سنوات.

ومن هنا دخلت الثورة اختبارها الحقيقي.

فمع انتقال الصراع إلى الحرب، أصبح المشروع أمام فارق هائل في الإمكانات العسكرية والاقتصادية. وكان الرهان على أن التفوق المادي كفيل بإسقاط المشروع خلال فترة قصيرة، وإعادة اليمن إلى المعادلة السياسية التي كانت قائمة قبل الثورة.

لكن مسار السنوات التالية أظهر أن الحرب لا تُحسم دائماً بحسابات القوة المادية وحدها.

فقد تحولت المواجهة إلى حرب طويلة، وتحول الصمود من مجرد رد فعل على الهجوم إلى عنصر أساسي في إدارة الصراع. ومع مرور السنوات، لم يعد السؤال عن قدرة اليمن على البقاء فقط، بل عن قدرته على تطوير أدوات المواجهة والحفاظ على قراره وبناء قدرات جديدة.

وهنا تحولت الإرادة إلى قوة.

فالقدرة على الصمود أمام الضغط ليست موقفاً سلبياً، وإنما مصدر للقوة حين تقترن بالتنظيم والقيادة وبناء القدرات. وكلما طال أمد المواجهة، أصبح الحفاظ على المشروع في حد ذاته إنجازاً استراتيجياً، لأن استمرار المشروع يعني استمرار قدرته على إعادة إنتاج أدواته والاستفادة من التجربة وتطوير وسائل المواجهة.

وهذا يقود إلى التطبيق الثاني: بناء القدرات.

فالثورة لم تبقَ عند حدود الرفض السياسي للوصاية، وإنما دخلت في مسار طويل من بناء عناصر القوة. والحروب الطويلة تفرض على أطرافها تطوير أدواتها باستمرار، وهذا ما جعل سنوات المواجهة سنوات تراكم للخبرة والقدرة والوعي بطبيعة الصراع.

وبذلك تحولت سنوات الضغط من عبء فقط إلى مدرسة لإعادة بناء القوة.

فالقدرة لا تولد دفعة واحدة، وإنما تتشكل من تراكم التجربة، ومن تحويل نقاط الضعف إلى مجالات للبناء، ومن امتلاك الإرادة التي تمنع الاستسلام أمام التفوق المادي للطرف الآخر.

وهنا تظهر أهمية الفرق بين امتلاك القوة واستخدامها. فالقوة المادية تحتاج إلى مشروع يحدد أهدافها، وإلى قيادة تحدد اتجاهها، وإلى إرادة قادرة على تحمل تكلفتها. ومن دون هذه العناصر تتحول القوة إلى مجرد إمكانات مادية لا تضمن وحدها الاستمرار.

أما التطبيق الثالث فهو تحول اليمن من موقع المتلقي إلى موقع الحضور والتأثير.

ففي مرحلة ما قبل الثورة كان اليمن يتأثر بدرجة كبيرة بما يجري حوله، بينما فرضت سنوات الصراع واقعاً جديداً جعل اليمن حاضراً في الحسابات الإقليمية والدولية. وأصبحت التطورات في اليمن جزءاً من حسابات أوسع تتعلق بالأمن الإقليمي والممرات البحرية والتوازنات السياسية والعسكرية.

وهذا التحول لا يمكن فصله عن تراكم سنوات الصمود وبناء القدرات.

فالنفوذ لا يبدأ من الرغبة في التأثير، وإنما من امتلاك عناصر تمكن الدولة أو المشروع من تحويل موقفه إلى فعل مؤثر. وكلما تطورت هذه العناصر، انتقل الطرف من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل.

وفي قلب هذه التطبيقات جميعاً تقف الهوية القرآنية.

فالهوية القرآنية لم تكن شعاراً سياسياً مضافاً إلى المشروع، وإنما شكلت مرجعية لفهم الاستقلال والوصاية والصراع والقوة والمسؤولية. ومن خلالها جرى تقديم رؤية تربط الموقف السياسي والأمني والعسكري بمفاهيم الإيمان والثبات والاعتماد على الله ورفض الخضوع للهيمنة.

ولهذا أصبحت الهوية القرآنية مصدر القوة الرئيسي الذي مكن المشروع من الاستمرار في مواجهة ضغوط هائلة.

فالهوية صنعت الاتجاه، والإيمان صنع الثبات، والثبات صنع الإرادة، والإرادة صنعت الصمود، والصمود أسهم في بناء القدرة، والقدرة حمت القرار.

وهذه السلسلة تفسر لماذا لا يمكن اختزال تجربة ثورة 21 سبتمبر في حدث وقع في عام 2014. فالحدث كان نقطة البداية، أما السنوات الاثنتا عشرة فكانت ميدان الاختبار.

خلال هذه السنوات انتقلت القضية من مواجهة سياسية إلى حرب واسعة، ومن الدفاع عن وجود المشروع إلى تطوير أدوات القوة، ومن مجرد الصمود أمام الهجوم إلى امتلاك عناصر تأثير في البيئة الإقليمية.

ولهذا فإن الذكرى الثانية عشرة ليست مجرد مناسبة لاستعادة أحداث الماضي، بل فرصة لقراءة المسار الذي أنتجته الثورة وما أعقبها.

فالثورة بدأت بمواجهة سؤال القرار، ثم واجهت اختبار الحرب، ثم دخلت مرحلة بناء القدرات، ثم فرضت حضور اليمن في معادلات أوسع. وهذه الحلقات ليست منفصلة، وإنما ترتبط بمنطق واحد: حماية القرار تحتاج إلى قوة، والقوة تحتاج إلى إرادة، والإرادة تحتاج إلى هوية ومشروع.

وهنا تتضح العلاقة بين عنوان المقال وتطبيقات الثورة.

فـ*«البقاء للاتقى»* لا تعني أن القوة المادية غير مهمة، ولا تعني أن الإيمان وحده يغني عن امتلاك أدوات القوة. بل تعني أن القوة المادية تحتاج إلى مصدر يمنحها الثبات والاتجاه، وأن المشروع الذي يجمع الإيمان والهوية والإرادة والقدرة يصبح أكثر قدرة على الصمود والاستمرار.

ولهذا فإن معادلة «البقاء للأقوى» بمعناها المادي المجرد لا تكفي لتفسير تجربة امتدت اثني عشر عاماً. فالتفوق العسكري لا يضمن وحده حسم الصراع، والقوة الاقتصادية لا تضمن وحدها إخضاع الإرادة، والقدرة المادية لا تنتج وحدها مشروعاً قادراً على الاستمرار.

في المقابل، فإن المشروع الذي يمتلك هوية واضحة، ويتمسك بقراره، ويحافظ على تماسكه، ويطور قدراته، ويستطيع تحمل كلفة المواجهة، يحول الصمود إلى قوة، والقوة إلى حضور، والحضور إلى تأثير.

وهذا هو جوهر تجربة 21 سبتمبر خلال عامها الثاني عشر.

فالثورة لم تختبر فقط قدرة مشروعها على البقاء، بل اختبرت أيضاً مفهوم القوة نفسه. وأثبت مسار السنوات أن القوة ليست مقداراً ثابتاً يُقاس فقط بعدد الأسلحة وحجم الموارد، وإنما هي قدرة مركبة تتكون من الإنسان والإرادة والهوية والقيادة والقدرات المادية والاستعداد لتحمل كلفة الصراع.

ومن هنا يصبح الاستقلال في القرار، والصمود في المواجهة، وبناء القدرات، وفرض الحضور والتأثير تطبيقات مترابطة لمعادلة واحدة، وليست مجرد عناوين منفصلة في مسيرة الثورة.

وفي عامها الثاني عشر، لا تعود ثورة 21 سبتمبر مجرد ذكرى لحدث سياسي، بل تصبح تجربة ممتدة يمكن قراءة مسارها من خلال سؤال البقاء: كيف يستمر مشروع في مواجهة اختلال هائل في موازين القوة؟ وكيف يتحول الصمود إلى قدرة؟ وكيف تتحول القدرة إلى تأثير؟

الإجابة تبدأ من الإنسان والمشروع والهوية والإرادة، وتنتهي إلى القوة التي تحمي القرار.

ولهذا فإن دلالة قوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ تتجاوز مجرد الاستشهاد بآية في مقدمة المقال أو خاتمته؛ فهي تختصر المنطق الذي يقوم عليه العنوان كله: التقوى تصنع الثبات، والثبات يصنع الإرادة، والإرادة تبني القوة، والقوة تحمي القرار.

وفي عامها الثاني عشر، تختصر ثورة 21 سبتمبر مسارها في هذه السلسلة: الإيمان يصنع الثبات، والثبات يصنع الإرادة، والإرادة تصنع القوة، والقوة تحمي القرار والاستقلال.

فاثنا عشر عاماً من الثورة والصراع والصمود تجعل «البقاء للاتقى» خلاصة لمسار الثورة، ومعادلةً لقراءة استمرارها، وعنواناً لمعنى القوة التي تحمي القرار والاستقلال.

نقلا عن صحيفة_26سبتمبر العدد 2475، الاثنين 10 ربيع الثاني 1448هـ، 21 سبتمبر 2026م

اخبار ذات صلة