بين نار الجنوب وضغوط واشنطن… لبنان يدخل مفاوضات «إعادة رسم التوازن» مع إسرائيل

■بيروت_أحمد موسى

 

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتشابك فيها الحرب المفتوحة في غزة مع التصعيد على الحدود اللبنانية الجنوبية، وتتقاطع فيها الحسابات الأميركية مع مخاوف الانفجار الإقليمي الواسع، تكشف المعطيات الدبلوماسية عن تحرّك لبناني مكثّف خلف الكواليس استعداداً لجولة مفاوضات جديدة توصف بأنها الأخطر منذ سنوات.

 

فالمشهد لم يعد مرتبطاً فقط بوقف إطلاق نار هشّ أو بملف حدودي تقني، بل بات جزءاً من معركة النفوذ الكبرى في الشرق الأوسط، حيث تحاول واشنطن منع انهيار شامل للجبهة الشمالية، فيما تسعى إسرائيل إلى فرض وقائع أمنية جديدة، ويبحث لبنان عن تثبيت حدّ أدنى من الاستقرار السياسي والسيادي في ظل الانهيار الاقتصادي والتوتر العسكري المستمر.

 

وبحسب معلومات خاصة حصلنا عليها من مصادر أميركية مطّلعة، فإن السفيرة ندى معوض تجري منذ أيام سلسلة اتصالات سياسية ودبلوماسية مكثفة مع وزارة الخارجية الأميركية، ضمن إطار التحضيرات للجولة الجديدة من المفاوضات المرتقبة بين لبنان وإسرائيل، وسط مواكبة دولية دقيقة لمسار التطورات المتسارعة في المنطقة.

 

اتصالات خلف الكواليس… وواشنطن تراقب

 

المصادر تشير إلى أن الاتصالات الجارية لا تقتصر على الجانب البروتوكولي أو التنظيمي، بل تتناول تفاصيل سياسية وأمنية ولوجستية مرتبطة بشكل المفاوضات المقبلة وسقفها والضمانات الدولية المحتملة لها.

وتدرك الإدارة الأميركية أن أي فشل جديد في احتواء التصعيد جنوب لبنان قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع يصعب ضبطها، خصوصاً مع تصاعد الضغوط داخل إسرائيل واتساع الاشتباك الإقليمي بين المحاور المتصارعة.

 

وفي هذا السياق، تبدو واشنطن معنية بإبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع الدولة اللبنانية، بالتوازي مع مساعٍ دولية لمنع انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية شاملة قد تتجاوز حدود لبنان وفلسطين إلى اشتباك أوسع يمتد من البحر الأحمر حتى شرق المتوسط.

 

ماذا يريد لبنان؟

 

ووفق المعلومات، فإن الجانب اللبناني سيدخل المفاوضات حاملاً مجموعة مطالب يعتبرها أساسية وغير قابلة للتجاوز، وفي مقدمتها:

□تثبيت وقف إطلاق النار بشكل كامل ونهائي.

□وقف الضربات والخروقات الإسرائيلية المتكررة.

□الضغط باتجاه انسحاب إسرائيل من النقاط المتنازع عليها.

□فتح مسار دولي واضح لإعادة إعمار الجنوب.

□توفير ضمانات سياسية وأمنية تحول دون العودة إلى التصعيد.

 

وتعتبر الأوساط المتابعة أن لبنان يحاول من خلال هذه الجولة نقل النقاش من إدارة الاشتباك إلى معالجة جذور التوتر، مستفيداً من القلق الدولي المتزايد من توسع الحرب.

 

أبعد من الحدود… إعادة صياغة المشهد الأمني

 

وتؤكد المصادر أن الجولة المرتقبة لا يمكن اختصارها بكونها مفاوضات تقنية أو أمنية محدودة، بل هي عملياً محاولة لإعادة رسم الواقع الأمني والسياسي بين لبنان وإسرائيل في ضوء التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.

 

فالحدود الجنوبية لم تعد مجرد خط تماس عسكري، بل تحولت إلى ساحة اختبار لموازين القوى الدولية والإقليمية، حيث تتداخل الحسابات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية مع الترتيبات الأمنية التي يجري العمل عليها في أكثر من ملف ساخن في الشرق الأوسط.

 

وترى جهات دبلوماسية أن أي تفاهم جديد قد ينعكس مباشرة على شكل المرحلة المقبلة في لبنان، سواء من ناحية الاستقرار الداخلي أو ملف إعادة الإعمار أو حتى طبيعة العلاقة بين القوى الدولية المؤثرة في المنطقة.

 

المنطقة على حافة التحوّل

 

وفي ظل هذا المشهد، تبدو المفاوضات المقبلة أشبه بمحاولة دولية لشراء الوقت ومنع الانفجار الكبير، أكثر من كونها تسوية نهائية للصراع. فالميدان لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، والرسائل العسكرية المتبادلة لم تتوقف، فيما تتسارع الاتصالات السياسية خلف الأبواب المغلقة لرسم خرائط النفوذ الجديدة.

 

وبين الضغط الأميركي والحسابات الإسرائيلية والهواجس اللبنانية، يبقى السؤال الأبرز: هل تنجح هذه الجولة في تثبيت تهدئة طويلة الأمد، أم أنها ستكون محطة مؤقتة تسبق مرحلة أكثر تعقيداً في الصراع الإقليمي والدولي؟.

اخبار ذات صلة