بعبع الحوثي

بقلم عدنان باوزير

 

يبدو أن الخصومة، حين تعجز عن الانتصار في الميدان، تنتقم لنفسها في الخيال. فمن يتأمل خطاب المرتزقة — على اختلاف ألوانهم وتبدّل راياتهم — يدرك أن الأنصار لم يهزموهم في الجبهات فقط، بل اقتحموا أيضاً آخر معاقلهم: عقولهم.

الهزيمة العسكرية تُحتمل، أما الهزيمة النفسية فتصنع أساطير. وهكذا تحوّل “الحوثي” في مخيلتهم إلى كائن خارق، نسخة سياسية من “جرانديزر”، يحرك الخيوط من خلف الستار، ويتحكم في الطقس، ويعيد ترتيب الجغرافيا، ويُسقط خصومه بنظرة!

كل إخفاق؟ الحوثي.

كل انقسام؟ الحوثي.

كل مشهد عبثي لا يجدون له تفسيراً؟ بالتأكيد الحوثي.

لقد أصبح مشجباً كونياً، تُعلَّق عليه خطاياهم، كما تُعلَّق المعاطف البالية في شتاءٍ لا ينتهي.

شاهدتُ على قناة “الحدس” محللةً يمنيةً مقيمةً في الخارج، كانت — حتى الأمس — تبدو متزنة.

سألها المذيع عن جرأة أنصار الانتقالي أمام قصر المعاشيق بعدن، سؤالٌ كان يمكن أن يُجاب عنه بكلمتين شريفتين: “لا أعلم”.

لكن “لا أعلم” تحتاج شجاعةً فكرية، وهذه سلعة نادرة.

فقالت، بثقة من يكتشف قانون الجاذبية:

“هذا يؤكد أن الحوثي يدعمهم!”

يا للروعة!

عدوٌّ يدعم خصوم خصومه، ليُربك خصوم خصوم خصومه… منطق يصلح لمسلسل خيال علمي، لا لتحليل سياسي.

وليس الأمر استثناءً.

فمرةً سألتُ مسؤولاً في “حكومة الفنادق” عن سر صمود الحوثي، فاقترب مني كما يقترب الكهنة من تابوت الأسرار، وقال هامساً:

“معلومة حصرية: الحوثي تدعمه أمريكا وإسرائيل!”

قالها والطائرات الأمريكية والإسرائيلية كانت تقصف حينها صنعاء.

هنا تبلغ السخرية ذروتها: يُقصف من داعميه!، وتُحاصرُه الدول التي تموّله ويُحاربُه من يحرّكه!

إنها ليست نظرية مؤامرة، بل محاولة يائسة لترميم كرامةٍ سياسيةٍ مكسورة.

فحين يعجز المرء عن تفسير خصمه، يصنع له أجنحة شيطانية، ثم ينام مطمئناً أنه لم يُهزم… بل غُلِب بقوةٍ كونية!

هكذا يتحول الخصم إلى “بعبع”، لا لأنه مخيف حقاً، بل لأن الاعتراف بالضعف أشد رعباً.

اخبار ذات صلة