حضرموت… بلاد الوادي المقلوب* والمنطق السوي

عدنان_باوزير

ليست حضرموت جغرافيا عابرة في هامش التاريخ، بل منطقًا كاملًا سار على قدمين عبر العصور.
وادٍ مقلوب في تضاريسه، مستقيم في روحه، كأن الطبيعة هناك أرادت أن تقول إن ما يُقاس بالعين قد يخدع، أمّا ما يُقاس بالقيم فلا يختل. تنحني الأرض قليلًا، كي يعلو الإنسان.
في حضرموت، لا تسير الأشياء كما تبدو، بل كما ينبغي لها أن تكون. هنا تعلّم الحجر وقبله الطين الصمت، وتعلّم الإنسان الإصغاء، فخرجت حضارة لا تعرّف نفسها بالضجيج، بل بالأثر البعيد الذي لا يزول. حضارة فهمت مبكرًا أن الاتساع مهما بلغ لا يصنع العظمة، وأن الحضور الحقيقي لا يحتاج إلى صخب.
من حضرموت خرج الإنسان قبل أن يخرج الحجر، وخرج المعنى قبل أن تُرفع الجدران. تصالح العقل مع الأخلاق، فصار التاجر سفير قيم قبل أن يكون صاحب ربح، وصار المسافر الحضرمي مدرسة متنقلة، يحمل لغته وسلوكه وسمته أينما حلّ؛ من سواحل شرق أفريقيا إلى موانئ الهند، ومن جزر الملايو إلى أرخبيلات الشرق. لم يكن فاتحًا بالسيف، بل بالثقة، ولم يفرض نفسه بالقوة، بل بالقدوة.
حين غادر الحضرمي أرضه، لم يتركها خلفه، بل حملها في سلوكه. سار في البحار والأسواق بتؤدة الحكيم، بلا استعجال للربح ولا افتتان بالهيمنة. كانت التجارة عنده أخلاقًا قبل أن تكون أرقامًا، وكانت الثقة رأس المال الذي لا يخسر. لذلك، حيثما استقر، استقر معه الاطمئنان، وازدهرت التجارة، وتشكّلت حوله طبقات ثقافية واجتماعية ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم. والحضرمي ليس بارعا في التجارة من اليوم، بل منذ فجر التاريخ، فهناك مثل فرعوني شهير يعود لأكثر من ثلاثة ألف سنة، يقول : إذا كان الربان فينيقيا فالتاجر حضرموتي!
وفي الثقافة، لم تكن حضرموت مولعة بإعلان ذاتها، بل بتزكية المعنى. أنجبت علماء وفلاسفة ومصلحين فهموا أن المعرفة لا تُكدَّس، بل تُهذَّب، وأن الحكمة لا تصرخ كي تُسمَع، بل تترسّخ أثرًا. أما فنّها، فكان امتدادًا لهذا الفهم: موسيقى تشبه المساء ويسامر قمره ونجومه، وغناء تجرفك إيقاعاته لا شعوريا (للشرح) والرقص والتصفيق، وتجبرك كلماته الحكيمة وموسيقاه الطربية للإصغاء، ليس هروبًا من الواقع، بل مصالحة عميقة معه.
أخلاق الحضارم ليست أسطورة ولا ميراث دم، بل تجربة إنسانية متكررة وميراث وعي: تواضع بلا ضعف، وحِلم بلا استسلام، وكرم لا يجرح الكرامة. أخلاق جعلتهم مقبولين في أوطان غير أوطانهم، مؤثّرين دون ادّعاء، وحاضرين بغير ضجيج.
حضرموت ليست مجرد وادٍ مقلوب في الجغرافيا، بل تصحيح مستمر لمنطق العالم المختل. تقول للعالم، بهدوء الفلاسفة: ليس كل ما يرتفع يسمو، وليس كل ما ينخفض ينهزم، وإن كانوا أول من تسامق وعلا في البناء في إعجوبة معمارية تعد من روائع التراث الإنساني المسجل والمحمي، كبيوت (شبام) الإسطورية وغيرها من معالم معمارية طينية ظلت خالدة على سفوح جبال واديها المعمور وحتى عصرنا الراهن، كشواهد عظمة لا تُمحى.
أحيانًا، تنقلب الأودية لكي تستقيم القيم، ويصمت التاريخ طويلًا أمام أماكن لم تُرِد أن تكون صاخبة… بل صادقة.
حضرموت… واديها مقلوب، لكن منطقها، منذ قرون، كان الأكثر اعتدالًا في عالمٍ اعتاد الاختلال.
*العنوان: كل جيولوجي في العالم يعرف حضرموت بسبب واديها المقلوب جيولوجياً، فالقاعدة أن كل وديان العالم تكون ضيقة عند المنبع ثم تبلغ كامل اتساعها عند المصب، عدى وادي حضرموت، فهذا الوادي العامر والطويل والمتسع والذي يعد من أطول وأوسع ديان شبة الجزيرة العربية، والذي يبلغ طوله من 160-240 كيلو متر من بعض النقاط، هو واد شاذ جيولوجيا حيث يتراوح أتساعه عن المنبع الى 13-10 كيلو متر، ويضيق جدا قرب المصب ليبغ عرضه من 20-30 متر بسبب تقارب التضاريس الجبلية قرب قرية (سناء) ، قبل ان يتوه بعدها في صحاري ثمود قبل أن يصب نهاية المطاف في البحر العربي قرب (بئر برهوت) الشهيرة!

اخبار ذات صلة