بيروت_أحمد موسى
في توقيت سياسي بالغ الدقّة، يتوجّه رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى قصر بعبدا، في زيارة تتجاوز في دلالاتها البروتوكول السياسي المعتاد، لتلامس عمق الأزمة المتفاقمة بين رئاسة الجمهورية و«ح_ز_ب الله»، في لحظة تتشابك فيها التعقيدات الداخلية مع ضغوط إقليمية متصاعدة.
الزيارة، وفق معطيات سياسية متقاطعة، تأتي على وقع انقطاع شبه كامل في قنوات التواصل بين الطرفين، منذ الخطاب الذي ألقاه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمام السلك الدبلوماسي، والذي شكّل نقطة تحوّل في المشهد السياسي، بعدما فتح باب السجال حول ملفات سيادية حساسة، وأعاد خلط الأوراق داخل السلطة وبين مكوّناتها.
شرخ سياسي يتوسّع
بحسب المعلومات، فإن العلاقة بين الرئاسة و«الحزب» دخلت مرحلة من البرودة الحادّة، إن لم نقل القطيعة السياسية غير المعلنة، وسط تباين في مقاربة الملفات الكبرى، من السيادة إلى الأمن، ومن العلاقات الخارجية إلى إدارة التوازنات الداخلية. هذا التباين، وإن بقي حتى الآن ضمن سقف الخطاب السياسي، إلا أنّه مرشّح للتفاقم في ظل غياب قنوات التواصل المباشر، ما يفتح الباب أمام سوء تقدير أو تصعيد غير محسوب.
من هنا، تُقرأ زيارة بري كخطوة استباقية تهدف إلى منع انزلاق الخلاف من دائرة التباين السياسي إلى مواجهة مفتوحة، لا تتحمّلها البلاد في ظل هشاشة الوضعين الاقتصادي والاجتماعي، واستمرار التهديدات الأمنية على الحدود الجنوبية.
القضاء والإعلام… وقود إضافي للأزمة
ويُضاف إلى هذا المشهد المتوتّر ملف الاستدعاءات القضائية التي طالت عددًا من الصحافيين، والتي فجّرت موجة اعتراضات سياسية وإعلامية واسعة. فالقضية لم تعد محصورة بإجراءات قانونية، بل تحوّلت إلى عنوان صريح للسجال حول استقلالية القضاء وحدود استخدامه في الصراع السياسي.
مصادر متابعة ترى أنّ هذا الملف يشكّل عنصر ضغط إضافي على المشهد العام، ويهدّد بفتح جبهة جديدة عنوانها الحريات العامة وحرية التعبير، في وقت يفترض فيه تحصين الداخل بدل استنزافه.
«الميكانيزم» والسلاح شمال الليطاني
وعلى طاولة اللقاء أيضًا، يحضر ملف «الميكانيزم» وخطة العمل المرتبطة به، في ظل نقاش داخلي وخارجي حول آليات التنفيذ، وسقف الالتزامات المطلوبة من الدولة اللبنانية، وما إذا كانت هذه الآليات تُستخدم كمدخل لإعادة طرح ملفات شديدة الحساسية.
وفي هذا السياق، عاد ملف السلاح شمال نهر الليطاني إلى الواجهة، سياسيًا وأمنيًا، مع تصاعد الكلام عن المرحلة المقبلة، ودور الجيش اللبناني، وحدود المقاربات المطلوبة داخليًا وخارجيًا. وهو ملف لا ينفصل عن السياق الإقليمي العام، ولا عن مسار المواجهة المفتوحة على الجبهة الجنوبية، وما تفرضه من حسابات دقيقة.
بري… صمّام أمان؟
وسط هذا المشهد المعقّد، يبرز دور رئيس مجلس النواب كأحد آخر خطوط التواصل القادرة على تدوير الزوايا وامتصاص الصدمات. فبري، بما يمتلكه من خبرة سياسية وشبكة علاقات داخلية، يتحرّك وفق منطق منع الانفجار، والحفاظ على الحدّ الأدنى من التوازن السياسي، ولو بالحدود الدنيا.
الأنظار تتّجه إلى ما ستسفر عنه زيارة بعبدا، لا سيّما لناحية الإشارات التي ستخرج إلى العلن، أو الرسائل غير المباشرة التي ستُلتقط في الكواليس. فنجاح بري في تبريد الساحة قد يؤجّل الانفجار، أما فشل المسعى، فقد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر حدّة، في بلد يقف أصلًا على حافة أزمات متراكمة.
في المحصّلة، ليست زيارة بري مجرّد لقاء عابر، بل محطة سياسية مفصلية، في لحظة تختبر فيها الدولة تماسكها، وتُقاس فيها قدرة النظام على إدارة خلافاته قبل أن تتحوّل إلى صدام مفتوح.
