كلُّ العصف الدامي الذي شهدته محافظتا حضرموت والمهرة خلال الفترة الماضية [ على ضخامته وتكلفته البشرية والمادية وعمق التحولات التي خلَّفها على البنى الاجتماعية والسياسية لهذه المنطقتين اليمنيتين المتَّصفتين دائماً بالهدوء والمدنية والاستقرار على مدى جميع المفترقات الساخنة التي شهدها اليمن ] إلا أنها لم تؤدي بالسلطات الوطنية إلى البحث عن آليَّات حكم جديدة تعمل على تثبيت [ كيان الدولة ] بالمعنى المدني الاستراتيجي الذي يحفظ للمجتمع استقراره وثبات سلطة المؤسسات وتجذيرها في المجتمع وتقوية روابطها داخل المنظومة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المحرِّكة للمجتمع وعلاقاته ، خصوصاً بعد [ السقوط ] المتتالي بتسارع للدولة في هذه المنطقة جراء الأحداث التي شهدتها ، حيث تفككت كل الأواصر الإدارية والأمنية والمؤسسية للدولة [ حتى التقليدية منها لم تسلم من الانهيار السريع ] وظهرت بديلاً عنها عادات [ خارجة ]ٍ عن المألوف والمتعارف والحميد حيث انتشرت عصابات النهب والسرقة في جميع المدن ، وإن كانت تتجه جميعها إلى ممتلكات الدولة ومعسكراتها ، إلا أنها أشارت إلى مستوى جديد من السياق المجتمعي غير المنضبط الخارج عن السلوكيات الحميدة التي عُرفت بها الشخصية الحضرمية خصوصاً في علاقتها بالدولة والقوانين والتزامها بالتشريعات التي تحفظ للمجتمع أمانه واستقراره بعيداً عن تأثيرات الجوار الوطني المغرَق في علاقته العنيفة مع الدولة على كل مستويات عمل الدولة داخل مجتمعاتهم ، الأمر الذي أكسب الدولة هناك حضوراً [ رخواً ] وشيوع البدائل التقليدية في المجتمع كبديل عن عجز الدولة عن الحضور في أوساط المجتمع وقضاياه ، وهو الأمر الذي تجاوزه المجتمع في المحافظتين لكي تكسب نفسها بصفة [ المدنية ] على الرغم من المحاولات المستميتة التي بذلها النظام السابق لإعادة عقارب الساعة وإسقاط دور مؤسسات الدولة في المجتمع لصالح تشريعات [ قبيلية وحزبية ] ، وإن كانت سمات الإنهيار المتسارع للدولة خلال السنوات الأخيرة بفعل الأعمال العسكرية التي شهدتها [ حضرموت بشكل خاص ] ترتبط بشكل وثيق بالاستراتيجيات الممنهجة لذلك النظام تجاه حضور الدولة في المجتمع واستهدافها للمجتمع والشخصية المدنية المتميِّزة في حضرموت واستبدال ولائها التام للدولة كدعامة استقرار مجتمعي متأصل ببدائل تقليدية تهز أمانَه ووحدته وتماسكه وتذهب به إلى التفكك عند أقل [ عارض ] يتعرَّض له .. وهي اللمسات تتضح في جيل جديد من المفاهيم بدأت ترسخ في حضرموت على النقيض مما قامت عليه الدولة في حضرموت من أفكار ورؤى وولاءات واضحة حفظت للشخصية الحضرمية ميزتها في التخلف المجنون المحيط بها.
إن العمل الوطني الحقيقي يجب أن يتّجه نحو [ تأكيد ] خصوصية المجتمع الحضرمي في مدنيّته وحضاريته وولائه [ القوي ] للدولة كضرورة أساسية لإحداث أيَّ نقلات حداثية [ حضارية ] للوطن اليمني ككل ، وكرافعة أساسية للمجتمع اليمني عموماً لتكريس عادات جديدة في التعامل مع المشكلات التي تنشأ عند التضارب ما بين صلاحيّات الدولة ومكاسب القوى المتنفذة في الدائرة العنيفة التي [ عادةً ] ما تعصف بالمجتمع اليمني وتجره [ القهقرى ] إلى عهود ما قبل الدولة والقانون والمؤسسات .. وهذا لن يتم إلا بتأكيد [ سلطة الدولة ] فوق كل السلطات الأخرى وتكريس حضور الدولة في كل الأحداث كقاسم مشترك يضم المواطنين تحت مظلتها بالتساوي والقوة التي تحفظ للمجتمع لحمته واستقراره في مختلف المنعطفات ، وهذا لن يتم إلا بتأكيد الديمقراطية في أوصال المجتمع والعمل على تكريسها بواسطة مؤسساتٍ قوية وفاعلة وذات نفوذ محترمٍ في المجتمع .. عندها تكون الدولة أرسخ وأكثر استقراراً عند كل [ خضّات ] عسكرية أو سياسية قادمة.
إن العمل على تعزيز المؤسسات الديمقراطية داخل المجتمع يجعل المجتمع منضبطاً إلى الدولة ، ويربط الجميع بمصلحته في تكريس البقاء للدولة كدعامة رئيسية للاستقرار والتطور في المجتمع .. وإن إعادة النشاط للهيئات الديمقراطية في المجتمع [ الأحزاب ومنظمات العمل المدني والنقابات ] يسحب البساط من القوى الفاسدة التي تجيِّر مصلحة الجميع إلى مصلحتها الخاصة وتخل بالمواطنة إلى ولاء قبلي أو حزبي أو مناطقي مليءٍ بالعفونة والفساد .. فتبقى الدولة هي المقياس الحقيقي لحركة مجتمعية جماعية منضبطة لقوانين وتشريعات ومؤسسات متجذرة في المجتمع لا تنفصم ولا تنكسر ولا تهلك ولا يشوِّهُها عابثٌ أو مجرم.
نقلا عن موقع الاحقاف نيوز
