مجلس أمـن الـمـسـتـكـبـريـن

مجلس أمـن الـمـسـتـكـبـريـن
بقلم / محمد الصالحي
تحدث الـسـيـد الـقـائد ـ يحفظه الله ـ في خطابه اليوم عن مجلس الأمن الدولي، واصفاً إياه بـ: “مجلس أمـن الـمـسـتـكـبـريـن”، ولو تأملنا في أبعاد هذه العبارة، لوجدناها تختزل كثيراً من الحقائق بشأن طبيعة الدور الذي تؤديه هذه المنظمة الدولية، مما يستدعي التوقف عند خلفية تأسيسها وأهدافها الفعلية، لا تلك المعلنة في مواثيقها الرسمية.

فمع تصاعد مفهوم الدولة القومية، وتزايد حركات الـتـحـرر الوطني حول العالم، شعرت القوى الاسـتـعـمـاريـة بالحاجة إلى إيجاد كيان دولي يكون أداة للتحكم في مصائر الشعوب. وهكذا نشأت “عصبة الأمم” عقب نهاية الـحـرب العالمية الأولى، لكنها سرعان ما أثبتت فشلها. ثم، وبعد انتهاء الـحـرب العالمية الثانية، حرصت الدول الخمس المنتصرة (أمـريـكـا، بـريـطـانـيـا، فـرنـسـا، الاتحاد السوفيتي، والصين) على إنشاء منظمة دولية جديدة تضمن من خلالها الحفاظ على مكتسبات النصر، فأسست منظمة الأمم المتحدة.

وقد تضمن ميثاق الأمم المتحدة مبادئ سامية، كاحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. إلا أن هذه المبادئ سرعان ما تم تجاوزها عملياً، حينما منحت الدول المنتصرة نفسها العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، ومن ثم الحق الحصري في تقرير مصير بقية الدول، فوظفت المنظمة ومجلس الأمن لخدمة مصالحها، وتثبيت سياساتها، وترسيخ هـيـمـنـتـهـا على النظام العالمي.

وتتمتع هذه الدول بصلاحيات استثنائية تجعل منها صاحبة القرار الأول في الشأن الدولي. ومن أبرز هذه الصلاحيات امتلاكها لحق النقض (الفيتو)، الذي يمنح أي دولة دائمة العضوية القدرة على إجهاض أي قرار مهما حظي بتأييد الأغلبية. ويُعد هذا الحق أداة فعالة لحماية مصالح هذه الدول ومصالح حلفائها.

كما أن لها تأثيراً كبيراً في صياغة جدول أعمال المجلس، حيث تملك صلاحية تحديد ما يُناقش وما يُؤجَّل أو يُتجاهل، وهي تشارك بفاعلية في إعداد نصوص القرارات وتعديلها أو تعطيلها بما يتوافق مع توجهاتها. وتمتد هيمنتها إلى التحكم في شروط تنفيذ القرارات، لا سيما المتعلقة بـعـمـلـيـات حفظ السلام، من خلال المساهمة أو الاعتراض على إرسال قـوات، أو تقديم الـدعـم الـلـوجـسـتـي والمالي اللازم لها.

كذلك تلعب هذه الدول دوراً مركزياً في فرض أو رفع الـعـقـوبـات الدولية، وتحديد نوعها سواء كانت اقتصادية، دبلوماسية، أو عـسـكـريـة، بما يخدم أجـنـداتـهـا الخاصة. كما أن لها كلمة مؤثرة في اختيار كبار مسؤولي الأمم المتحدة، وعلى رأسهم الأمين العام، حيث لا يتم التعيين في هذا المستوى إلا بعد الحصول على موافقة ضمنية أو صريحة من الدول الدائمة العضوية.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل تمتد سيطرتها إلى إدارة مـسـارات الـنـزاعـات الدولية، فتقرر متى وأين تتدخل الأمم المتحدة، سواء عبر فرض هدنة، أو إرسال قـوات، أو دعم طرف معين، أو تجاهل الأزمة بالكامل. وهو ما يجعل من هذه الصلاحيات أحد الركائز الأساسية في إدارة النظام الدولي المعاصر.

اخبار ذات صلة